عبد الملك الجويني

256

نهاية المطلب في دراية المذهب

بامتناع ذلك الرجوع ، بطلت صلاته ؛ فإنه يكون راكعاً ركوعين في ركعة واحدة ، وهو مبطل للصلاة . 993 - ولو كان موقف الإمام بعيداً ، فسمع المأموم صوتاً ، وحسب أن الإمام قد انتصب ، فارتفع ، ثم تبين له أن الإمام بعدُ في الركوع ، فهل له أن يرجع ويركع ؟ اختلف أصحابنا فيه ، فمنهم من قال : لا يجوز الرجوع ، كما لو تعمد رفع الرأس من الركوع ؛ لأنه لو رجع ، كان آتياً بركوعين ، وذلك غير سائغ ، كما تقدم ذكره في العامد ، ومنهم من قال : يجوز الرجوع ؛ فإن قيامه كان من غلط ، فإذا رجع ، كان كما لو لم يقم واستدام الركوع . 994 - ثم إذا قلنا : يجوز الرجوع إلى التشهد ، فلو قيل لنا : ما الأولى ؟ لم يتجه إلا القطع بأن الأولى ألا يرجع ، ويصابر القيام ، فلو لم يستفد بذلك إلا الخروج عن الخلاف ، لكان ذلك كافياً ، فإنه لا يجب عليه الرجوع ، وفي العلماء من يصير إلى أنه لا يسوغ الرجوع ، فكان إيثار الخروج عن الخلاف أمثل . 995 - ولو رفع رأسه عن الركوع غالطاً كما ذكرناه ، ثم هم بالرجوع ، فكما ( 1 ) هم به ، ارتفع إمامه من حد الراكعين ، فليس له أن يرجع ، فإنه إنما كان يرجع لإيثار متابعة الإمام ، والآن لا يصادف الإمامَ راكعاً ، فلا محمل لعوده إلا تثنية الركوع صورة في ركعة واحدة ، وذلك غير سائغ ، وتعمده مبطل للصلاة ، كما تقدم تقريره . فإن قيل : هلا قلتم : إنه انتصب قائماً غالطاً ، فلا يُعتد بانتصابه ، فليعد - وإن لم يصادف إمامَه - قطعاً للغلط ، ثم يفتتح انتصاباً بعد ذلك ؟ قلنا : لا أصل لهذا الكلام ؛ فإنه إذا كان يجوز أن يتعمّد فينتصب سابقاً للإمام ، فالإصرار على إدامة هيئة القيام ، وإن اقترن بالانتصاب غلطٌ ( 2 ) هو ( 3 ) الوجه ، فإن تعديد الركوع من

--> ( 1 ) " فكما " بمعنى ( عندما ) ، فتنبه لذلك ؛ لأننا لا ننبه إليها دائماً ، بل مرة بعد مرة . ( 2 ) غلطٌ : فاعل " اقترن " . ( 3 ) " هو الوجه " خبرٌ لقوله : " فالإصرار على الانتصاب . . . " هذا وعبارة ( ت 2 ) : " وهذا هو الوجه " .