عبد الملك الجويني
230
نهاية المطلب في دراية المذهب
وذكر صاحب التقريب هذا ، وذكر معه شيئاً آخر ، وهو أنه قال : نقل البويطي عن الشافعي في مختصره أنه قال : إن سجد القارئ ، تأكد السجود على المستمع ، وإن لم يسجد القارئ ، فسجد المستمع ، كان حسناً ، وكان مقيماً للسنة ، فصار هذا قولاً ، وليس يبعد توجيهه ، وحُمل ما جرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم في تدارس أصحابه القرآن على استحثاث التالي على السجود . ولو لم يقصد الاستماع ، فلا يسجد وإن سجد التالي ، وإن كان قرع سمعَه ما تلاه ؛ فإنه إذا لم يقرأ في نفسه ، ولم يجرّد قصداً إلى الاستماع ، فتقع سجدتُه لو وقعت منقطعةً عن سبب يختاره وينشئه . وكان شيخي يقول : المصلي يسجد إذا سجد إمامه سجودَ التلاوة ، لا محالة . ولو كان المصلي يُصغي إلى قراءة قارىءٍ في غير الصلاة ، أو إلى قراءة مصل ليس إمامَه ، فلا ينبغي أن يسجد أصلاً ؛ فإنه ممنوع عن إصغائه ، فلا حكم له ، وحق الصلاة أن تُحرسَ عن سجودٍ زائدٍ لا يقوى سببُه . فإذاً إنما يسجد المصلي إذا تلا إماماً أو منفرداً ، أو إذا سجد إمامُه لما تلا ، فيتابعه ، فلو تلا الإمامُ ، ولم يسجد ، لم يسجد المقتدي ، ولو سجد ، بطلت صلاته . ولو تلا المقتدي ، فلا يسجد ، كما إذا سها ، فإنه لا يسجد للسهو . وذهب أبو حنيفة ( 1 ) رضي الله عنه أن المصلي المنفرد ، والإمامَ إذا سمع غيرَه يتلو ، فإنه يسجد إذا سمع خارجاً من الصلاة . وفي بعض طرقنا ما يشير إلى هذا ، وهو بعيد جداً . فهذا بيان ما يقتضي سجودَ التلاوة قراءةً واستماعاً ، وذِكْرُ أعداد السجدات . 959 - فأما كيفية السجود ، فنذكر سجود من ليس في الصلاة ، ثم نذكر سجود التالي في الصلاة .
--> ( 1 ) ر . بدائع الصنائع : 1 / 187 ، فتح القدير : 1 / 468 ، تبيين الحقائق : 1 / 206 ، حاشية ابن عابدين : 1 / 519 .