عبد الملك الجويني

165

نهاية المطلب في دراية المذهب

فهو ( 1 ) أن نهاية التواضع لا يتأتى إلا بتمكين الجبهة من الأرض ، والإمساسُ المجرد في حكم الإلمام ( 2 ) بافتتاح التواضع ، وتمامُه التمكن ، ثم التمكين عندنا فيه نظر ؛ فإن ظاهره يشعر بأن الساجد متعبد بأن يتحامل على موضع سجوده ، بحيث يظهر أثر تحامله . وأنا أقول فيه : إن لم يكن موضع سجوده وثيراً محشواً ، فيكفي أن يُرخيَ رأسَه ولا يُقلَّ ثِقْله ، والسر فيه أن الغرض منه إبداء هيئة التواضع ، والاسترسال في المصلّي كالشئ الملقَى ، وهو ( 3 ) أليق بالتواضع من تصنّع التحامل على موضع السجود ، والأصل في طلب نهاية التواضع أن الذي يكتفي بإمساس جبهته ، الأرضَ ، وهو يقلّ ثِقْلَ رأسه ، كأنه يتقزّز ( 4 ) بإقلاله ، كالضنين به ، والذي يتكلف تحاملاً ليس يحصل بما يأتي به إظهار تواضع ، فالأقرب إرخاء الجبهة ، قالت عائشة رضي الله عنها : " رأيت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في سجودِه كالخِرقة البالية " ( 5 ) . وإن كان الموضع الذي يسجد عليه محشواً بقطن أو غيره ، فكان شيخي يوجب التحامل في مثل هذه الصورة ، فيقول : ينبغي أن يتحامل تحاملاً يتبين أثره على يدٍ لو فرضت تحت ذلك المحشو ، ولست أرى الأمر كذلك ، بل يكفي إرخاء الرأس كيف

--> = في الكبير ح 13566 ، والبيهقي في دلائل النبوة : 293 ، التلخيص : 1 / 251 ح 374 ) . هذا . وقد أورده إمام الحرمين موقوفاً على علي كرم الله وجهه ، في الدرة المضية - مسألة رقم 75 . ( 1 ) كذا " فهو " بالفاء ، مع أنها خبر لقوله : " وطريق المعنى . . . " ثم جاءتنا ( ل ) مخالفة النسخ الأربع بحذف لفظ " فهو " والاستغناء عنها ، فصار الخبر " أن " ومعموليها . ( 2 ) في ( ل ) : الاهتمام . ( 3 ) ساقطة من ( ل ) . ( 4 ) في ( ل ) : يتعزز . ( 5 ) حديث عائشة رضي الله عنها ، قال الحافظ : لم أجده هكذا ، وقال ابن الصلاح : لم أجد له بعد البحث صحة ، وتبعه النووي ، فقال في التنقيح : " منكر لا أصل له " ا . ه - . ثم قال الحافظ : نعم قد روى ابن الجوزي نحو هذا في حديث عائشة ليلة النصف من شعبان . . قولها : " فانصرفت إلى حجرتي فإذا أنا به كالثوب الساقط . على وجه الأرض ساجداً " ( ر . التلخيص : 1 / 254 ، ح 378 ، والعلل المتناهية لابن الجوزي : 2 / 67 ح 917 ) .