عبد الملك الجويني
156
نهاية المطلب في دراية المذهب
844 - ثم القدْر الذي تقع قراءة الفاتحة فيه من القيام مفروضٌ ، وإذا مدّ المصلّي القيامَ ، وزاد على ما يحوي قراءة الفاتحة ، فقد ذكر الشيخ أبو علي وجهين في أنّا هل نحكم بأن جميع القيام فرض أم لا ؟ وبنى هذين الوجهين على الوجهين ، في أن من يستوعب رأسه بالمسح ، فهل نقول : جميع المسح وقع فرضاً ، أم لا ؟ وهذا عندي كلام خارج عن ضبط الفقه ؛ فإنه إذا جاز الاقتصار على ما يقع عليه اسم المسح ، فكيف ينتظم القول بأن الزائد عليه فرض ؟ ولولا تعرض هذا الإمام لحكاية هذا ، وإلا كنت لا أرى ذكره . ثم إن تخيل متخيل ذلك ، فشرطه عندي ، أنه لو أوصل الماء إلى رأسه دفعة واحدة بحيث لا يفرض تقدّم جزءٍ على جزء ، فليس جزء من هذا أولى من جزء بأن يضاف الفرض إلى المسح الواقع به ، فاعتقد معتقدون أن جميعَه يقع فرضاً ، وهذا بعيدٌ في هذه الصورة التي تكلّفنا في تصويرها أيضاً . فأما إذا أوصل الماء شيئاً فشيئاً إلى رأسه حتى استوعبه بالمسح ، فتخيل الفريضة في الأجزاء التي وصل الماء إليها بعد الجزء الأول محال . فأما القيام ، فإذا قرأ المصلّي الفاتحة قائماً ، ثم مدّ القيام بعد ذلك ، فوصف القيام بعد تقدم القراءة بالفرضية لا يقبله محصل ، وكيف يوصف بالفرضية ما جاز تركه ، وهو متميز عما تقدم محلاً للقراءة المفروضة ؟ نعم إن خلا أول القيام من قراءة الفاتحة ، ثم افتتح المصلّي القراءة ، فما هو محل القراءة مفروض أعني : قراءة الفاتحة ، وما تقدم عليه فيه احتمال ، من جهة أنه كان يتأتى إيقاع قراءة الفاتحة فيه ، وكان لا يسوغ قطعه قبل جريان القراءة . فأما ما يقع بعد القراءة من القيام ، فلا معنى لوصفه بالفرضية . 845 - ومما نذكره في القيام ، أن بعض الناس قد يعتاد أن يتحرك قليلاً في صوب الركوع ، وينحني قليلاً ، ثم يرتفع ، فمهما زايل الاعتدالَ ، وأوقع في حال زواله حرفاً من قراءته الواجبة ، فلا يعتد بذلك الواقع خارجاً عن اعتدال القيام . ولو كان يفعل ذلك ، ويعود قبل اشتغاله بالقراءة المفروضة ، فإن كان ينتهي إلى حدّ الركوع ويعود ،