عبد الملك الجويني
125
نهاية المطلب في دراية المذهب
عقداً ، ومن ضرورة استفتاح عقد حلُّ ما كان تقدم ؛ فإن المنعقد لا ينعقد عقده إلا بعد حله ، ثم يُبتَدأ بعد الحلِّ العقد . ثم لا يحكم - والحالة هذه - بانعقاد الصلاة بالتكبيرة الثانية - وإن كانت على الشرط المطلوب - فإن هذه التكبيرة قد تضمنت حلاً ؛ فيستحيل أن تتضمّن عقداً ؛ فإن الشيء الواحد لا يصلح - فيما نحن فيه نتكلم - لحكمين نقيضين : الحل والعقد جميعاً ، فهذا ما ذكره . وطائفةُ كافّة الأصحاب عليه من غير مخالفٍ . فالوجه إذن أن يرفع التكبيرَ ( 1 الأول بسلام أو كلام أو غيره ، ثم يبتدئ التكبير 1 ) الثاني عاقداً ، فيحصل الحلّ بما يتقدّم عليه ، ويتجرّد هذا التكبير للعقد . 791 - ولو كبر التكبير الثاني على أنه قطع ما كان فيه - إن كان قد انعقد - فقدّر التكبيرَ الثاني قاطعاً محللاً ، واستفتح تكبيراً ثالثاً عاقداً ، فقد قال الأئمة : تنعقد الصلاة ؛ فإن التكبيرة الثانية جرت قاطعةً غير عاقدةٍ ، فتتجرد التكبيرة الثالثة للعقد . وهذا فيه إشكال عندي ، من جهة أنا نجوّز أن التكبيرة الأولى ، لم تكن عاقدة في علم الله تعالى ، والتكبيرة الثانية صحت من حيث إنها لم تكن متضمنةً حلاً ، فإذَا كبّر التكبيرة الثالثة ، فهي تتضمن حلاً لما انعقد ، كما صوّرناه ، وإذا تضمنت حلاً ، لم تقتضِ عقداً ؛ فإن التكبيرةَ الواحدةَ لا تصلح للنقيضين جميعاً . هذا وجه الإشكال . ولكن الجواب عنه : أن التكبيرة الأولى - وإن لم تكن عاقدة في علم الله - فقد قصد صاحب الواقعة بالتكبيرة الثانية حلاّ لما تقدّم ، وهذا يُفسد التكبيرة ؛ فإنها وإن كانت غير حالة عند الله ، فقصد الحل يُفسدها ، ويخرجها عن كونها صالحةً للعقد . فإذا فسدت لذلك ، فالتكبيرة الثالثة تقع مجرّدةً للعقد ، فتصح . ولو ظن أن التكبيرة الثانية تعقد لو صحت ، ولم نحكم بفسادها ، فأجرى التكبيرة الثالثة ، وهو يُجوّز أن الثانية عَقَدت ، فيظهر في هذه الصورة أن يقال : تفسد التكبيرة الثالثة ؛ من جهة أنه قصد بها حلاً لما اعتقد انعقادَه . فإذاً إنما تنعقد الصلاة بالتكبيرة الثالثة في حق من يعلم أن الثانية لا يجوز أن تكون عاقدةً حتى لا يفرض حل ما عقدَه بالثالثة . فليتأمل الناظر ذلك ؛ فإنه بين .
--> ( 1 ) ما بين القوسين ساقط من : ( ت 1 ) .