عبد الملك الجويني
52
نهاية المطلب في دراية المذهب
غلطٌ في التعرّض لذكر السبب ، فالمقصود ارتفاع الحكم الواقع بذلك السبب ، وذلك الحكم لا يتصنّف ولا يتفرعّ . 62 - وكان شيخي يذكر هاهنا في وقوع الغلط في تعيين النيّة أقساماً ، لا بدّ من ذكرها على إيجاز ، فالعبادات تنقسم : فمنها ما يُشترط التعيين في نيّتها ، كالصلاة والصوم ، ومنها ما لا يُشترط التعيين فيها . وهذا القسم يَنقسم قسمين : أحدهما - ألا يُشترط التعيين ، ولكن لو عيَّن الناوي وغلط ، لم يُعتدّ بالعبادة ، وهذا كما أنا لا نشترط في نيّة الكفارة التعرض لذكر سببها ، ولو نوى من أعتق رقبةً إعتاقها عن يمين ، ثمّ تبيّن أنه ما كان حلف ، وإنما كان ظاهَر ، فالإعتاق لا يقع عن الكفارة التي كانت عليه ، وكذلك لو نوى بما يُخرج زكاةَ مالٍ غائب ، ثم ظهر له أن ذلك المال كان تالفاً في وقت إخراج الزكاة ، فما أخرجه لا ينصرف إلى سائر أمواله . ولو كان نوى بما أخرجه تزكية ماله مطلقاً ، لانصرف إلى ما بقي من ماله الزكاتي . فهذا أحد القسمين . والقسم الثاني - ألا يضرَّ الغلط في التعيين ، وكان يذكر من ذلك ما لو نوى الإمامُ إمامةَ زيدٍ ، ثم تبين أن المقتدي به عمرو ، فلا يضرّ الغلط في ذلك . ثم كان يقول : حقيقة هذا القسم يؤول إلى أن أصل النية في هذه الصورة غيرُ مشروطٍ في صحّة صلاة الإمام ، فإذا عين وأخطأ ، لم يضرّ ؛ فإن أقصى التقدير بطلانُ النية ، ولو لم ينو الإمامُ أصلاً ، لصحت صلاتهُ . ولم يذكر غَلطَ المقتدي في تعيين إمامه ، فإن فيه سرّاً سأُظهره في كتاب الصلاة ، وكان يُلحق الغلط في تعيين الحدث بالقسم الأخير . وهذا فيه أدنى نظر على موجب تقسيمه ؛ فإن أصل النية لا يسوغ تركه في الوضوء . والذي يكشف الغطاء في ذلك أن المتيمم لو نوى استباحة الصلاة عن الحدث ، ثم ظهر له أنه كان جنباً ، صح تيمّمه ، والغلط من الجنابة إلى الحدث لا أثر له . ولمّا نقل المزني هذا في التيمم ، استشهد عليه بغلط المتوضّىء من حدثٍ إلى حدث .