عبد الملك الجويني

48

نهاية المطلب في دراية المذهب

قال النبي صلى الله عليه وسلم : " ما لكم تدخلون عليّ قُلحاً ! ! استاكوا " ( 1 ) . ومما يتعيّن الاعتناء به في القواعد ، أن من الأصول ما يغلب التعبد فيه ، وإن ذكر فيه معنى على بعد ، لم يقع في رتبة الجليّات ، ومنها - ما يظهر المقصود فيه ، ولكنه نُقل مع آلةٍ مخصوصةٍ . فأما ما يقع ( 2 ) التعبد فيه ، فإنه يختص بالآلة المنقولة ، كطهارة الحدث ، فإنها مختصة بالماء . ورأى الشافعي أن يُلحِق إزالةَ النجاسة بطهارة الحدث ، مع ظهور المعنى المقصودِ فيها ؛ فقال بتعيّن الآلة في إزالتها . وأما الاستنجاء بالأحجار ، فالغرض منه ظاهرٌ وهو قلع عين النجاسة ، فلمّا ظهر المقصودُ ، لم يختصّ بآلة ، بل قيل : كل عين طاهرة منشِّفة غير محترمة ؛ فهي صالحة للاستنجاء ، فالاستياك عندي في معنى الاستجمار ، فالغرض منه إزالة القَلَح ، إما بقضبان الأشجار ، أو خرقةٍ خشنة . وفيه فيما أظن تثوّبٌ ( 3 ) خفي من التعبد ؛ فإن من تمضمض بغاسول قلاعٍ ، فأزال قَلَح أسنانه ، فما أراه مقيماً سنةَ الاستياك ، وليس ذلك عريّاً عن احتمالٍ بعيد . ولو كان الرجل نقيَّ الأسنان ، قويم الطبيعةِ ، لا يغشاها قَلَحٌ ، فسنة الاستياك لا تسقط عنه . وهذا يقرّبُ معنى التعبد فيه قليلاً . والوجه القطع بأنه لا يتعين في الاستياك آلة ، إذا كان يزيل القلحَ . وما ذكرناه من التمضمض لا يزيل القَلَح ، ما لم يتحامل معه على الأسنان بدَلْكٍ . وما ذكرناه من نقاء الأسنان غيرُ سديد ، فإن كل أحد يغشاه قَلَح ، وإن قلّ . فهذا تفصيل القول في آلة السواك ، غير أن اتباع السلف حسنٌ في كل شيء .

--> ( 1 ) حديث : " ما لكم تدخلون علي قلحاً " رواه أحمد في مسنده ، واللفظ له : 1 / 214 ، 3 / 442 ، والطبراني في الكبير : 2 / 64 ح 1301 ، 1302 ، 1303 ، و 12 / 84 ح 12611 ، والبيهقي : 1 / 39 قال الهيثمي : فيه أبو علي الصيقل ، قيل فيه : إنه مجهول . ( ر . مجمع الزوائد : 1 / 221 ، تلخيص الحبير : 1 / 115 ) . ( 2 ) في ( ل ) : يغلب . ( 3 ) تثوَّب : طلب الثواب . وفي ( م ) : سرٌّ خفي .