عبد الملك الجويني
34
نهاية المطلب في دراية المذهب
ولا تسدّ الشُعور التي تمرط من المُذكَّيات - بالإضافة إلى الحاجات - مسدّاً ، فجرى حكمُ الشرع بتطهيرها مجرى الحكم بطهارة الألبان . والقياس أن تنجس ؛ فإنها مستحيلات في باطن الحيوانات كالدماء ، وسائر الفضلات ، ولكن امتن الله تعالى على عباده بإباحتها وطهارتها ؛ حتى يتقوّت أرباب المواشي بها ، ويستبْقوا أصول المواشي . وأما شعور الحيوانات التي لا تؤكل لحومها ، فمقرّةٌ على القياس ؛ لأنه ليس يظهر احتياجٌ إليها ، بخلاف الأصواف والأوبار . ثم ما يُنتف من الشعر كالمجزوز ، وما يَنسلّ بنفسه كذلك ، ولا فرق ، وليس الجز ذبحاً للشعر ، حتى تُعتبر فيه شرائط الذبح ( 1 ) ، وإنما المتّبع الحاجةُ كما تقدم . هذا بيان أحد القسمين . 38 - فأما الثاني - فالغرض منه شعر الآدمي . والوجه بناؤه على القول في نجاسة الآدمي إذا مات . فإن حكمنا بطهارته ، فالشعر طاهرٌ إذا فصل منه ، وإن حكمنا بنجاسة الآدميّ إذا مات - وهو خلاف ظاهر النص - فإذا انفصل منه الشعر ، حُكم بنجاسته . ثم إن حكمنا بنجاسة شعور الآدميين ، ففي شُعور رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهان : ذكرهما الصيدلاني : أحدهما - إجراؤُها على القياس . والثاني - الحكم بطهارتها تخصيصاً له بهذه الكرامة ؛ لأنه صح أنه أمر بتفرقة شعره على أصحابه ( 2 ) ، ولم ينههم عن استصحابها في صلواتهم . فإن حكمنا بطهارة شعره بخلاف شعر غيره ، ففي فضلات بدنه كبَوْله ، ودمه ،
--> ( 1 ) عبارة ( ل ) : حتى يشترط إيمان الذابح . ( 2 ) الحديث متفق عليه من حديث أن بلفظ أنه صلى الله عليه وسلم : " ناول الحالق شقه الأيمن ، فأعطاه أبا طلحة ، ثم ناوله شقه الأيسر ، فحلقه ، فقال : اقسمه بين الناس " . ( البخاري الوضوء ، باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان ، ح 170 ، 171 . ومسلم : الحج ، باب بيان أن السنة يوم النحر أن يرمي ثم ينحر ، ثم يحلق ، ح 1305 . وانظر تلخيص الحبير : 1 / 82 ح 45 ) .