عبد الملك الجويني

35

نهاية المطلب في دراية المذهب

وغيرهما وجهان : أحدهما - الجريان على القياس ، وقد تقرر أنه عليه السلام كان يتنزه عن فضلاته تنزّهَ غيره . وكان لا يتخصّص عن البشر فيما يتعلق بطهارتي الحدث ، والخبث . والثاني - أنها طاهرة ؛ لما روي أن أبا طيبةَ الحاجم شَرِب دم رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يُنكر عليه . وقال : " إذاً لا يبجع بطنك " ( 1 ) ، وشربت أم أيمن بولَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " إذاً لا تلج النار بطنك " ( 2 ) . وقد يتجه في الخبرين أن يقال : إنما لم يُنكر عليهما ، لعلمه بأنهما تداويا بما شرباه ، وقد يجوز التداوي بالأشياء النجسة ، كما نذكر ذلك في الأطعمة . فرع : 39 - إذا حكمنا بنجاسة شُعور الآدميين ، فما ينتف من اللحية واللِّمّة على العرف الغالب معفوٌّ عنه ، وإن كان نجساً كدم البراغيث والبثرات ؛ إذ لا يمكن التحرز من انتتافهما . ثم القول في الفصل بين القليل والكثير فيهما كالقول في دم البراغيث ، على ما سيأتي ذكره ، ولعلّ القليل من الشعر مما يغلب انتتافه مع اعتدال الحال . فهذا كافٍ في التنبيه الآن .

--> ( 1 ) حديث " أن أبا طيبة شرب دم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم ينكر عليه " قال الحافظ في التلخيص : الظاهر أن صاحب هذه الرواية غيرُ أبي طيبة ، بل هو مولى لبعض قريش ، وليس صحيحاً أيضاً ، وفي رواية أخرى وردت في حق سالم أبي هند الحاجم ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : " ويحك يا سالم أما علمت أن الدم حرامٌ ، لا تعد " وفي إِسناده مقال أيضاً . أما لفظ " إِذاً لا يبجع بطنك " فلم يورده ابن حجر ، هنا ، ولكنه في بعض روايات حديث أم أيمن الآتي بعده . وأشار الحافظ إِلى رواية للبزار ، وابن أبي خيثمة ، والبيهقي في الشعب والسنن : أن الرسول صلى الله عليه وسلم ضحك رضاً بشرب الحجام . ولم يتكلم فيها ( ر . التلخيص : 1 / 30 ح 17 ، والسنن الكبرى للبيهقي : 7 / 67 ) . ( 2 ) حديث أم أيمن له أكثر من رواية ذكرها الحافظ في التلخيص ، ووافق ابن دحية أنهما قضيتان وقعتا لامرأتين . وهو حديث ضعيف ، من جهة بعض رواته ، ومن جهة أن الراوي عن أم أيمن نبيح العنزي ، وهو لم يرها . ( ر . تلخيص الحبير : 1 / 31 ح 20 ، مستدرك الحاكم : 4 / 63 ، 64 ، المعجم الكبير للطبراني : 25 / 89 ، 90 ح 230 ، أبو نعيم في الحلية : 2 / 67 ، السنن الكبرى للبيهقي : 7 / 67 ، نيل الأوطار : 1 / 106 ) .