عبد الملك الجويني
27
نهاية المطلب في دراية المذهب
فرع : 29 - اختلف أئمتنا في أنه هل يجب استعمال الماء الطهور حالةَ الدَّباغ ( 1 ) ؟ : فقال بعضهم : يجب ؛ فإن الدَّبغ إزالةُ عينٍ نجسةٍ ، كما قررنا ذلك في صورة الدِباغ ، فيتعيّن الماء في تلك الإزالة ؛ اعتباراً بكل إزالة . وقال المحققون : لا يجب استعمال الماءِ حالةَ الدَّبغ ؛ فإن الدَّبغ وإن كان يزيل فضلات ، فالجلدُ لا يطهر بزوالها ، بل طهارة الجلد بسبب أنه كان متعرّضاً للتغير ، وقد خرج بسبب زوال الفضلات عن قبول التغيّر ؛ فكان ذلك فيه بمثابة استحالة الخمر خلاًّ ؛ إذ لو كان ذلك إزالةً ، لحكمنا بطهارة جِرم الجلد قبل انفصال الفضلات عنه . فإن حكمنا بأنه لا يجب استعمال الماء في الدَّبغ ، فلا كلام . وإن قلنا : إنه يجب ، فلم يستعمله الدَّابغ ؛ فالجلد نجس العين كما كان . وكان شيخي يقول : " إنْ طلب تحصيلَ طهارته ، فلا بد من ردّه إلى المدبغ ، وإعادة دبغه " . والسبب فيه أن الفضلات انتزعت من داخل الجلد ، وكنا على هذا الوجه نؤثر إيصال ماءٍ طَهورٍ . إلى مَنافِذ الداخل . فإن لم يفعل ، فحكم النجاسة لا يزول عن الباطن ، ثم الماء المجرد لا يصل إلى الباطن حتى يصحبه شيء حِرِّيفٌ حادٌّ يحتدّ الماء به ، ويرقّ الحرّيف بالماء ، فيصلان . وإذا فرض ذلك ، [ كان ] ( 2 ) صورة دِباغٍ [ ثانٍ ] ( 3 ) فهذا معنى قول شيخي : لا بد من ردّ الجلد إلى المدبغ . 30 - وأنا أقول : إذا حدث نزعُ الفضلات بالأشياء الحادّة ، فلا يبعد أن يكتفي بنقع الجلد في ماء طَهور ؛ فإنه إذا فَعل ذلك وصل الماء إلى الباطن ، ولكن لا يتأتى قَلع الرطوبات ابتداء بمجرّد الماء ، ود انقلعت الآن بما تقدم من غير ماءٍ ، فلم يبق إلا تعبّدٌ في وصول الماءِ ، وهذا يحصل بما ذكرناه من النقع ، والعلم عند الله تبارك وتعالى .
--> ( 1 ) ناقش إِمام الحرمين هذه المسالة في كتابه ( الدرة المضية ) ص 10 . ( 2 ) زيادة من ( م ) ، ( ل ) . ( 3 ) زيادة من ( م ) ، ( ل ) .