عبد الملك الجويني
28
نهاية المطلب في دراية المذهب
ثم من أوجب على طريقة شيخي استعمالَ الماء مع شيءٍ حِرّيف ، فلا يمتنع عنده استعماله متغيّراً بحرِّيف ، وينزل ذلك عنده منزلة التعفير في غسلةٍ من الغسلات السبع من ولوغ الكلب ، كما سيأتي . وإن اتجه ما ذكرته من الاكتفاء بنقعه في الماء بعد انقلاع الفضلات ؛ فلا يبعد أن أقول : يتعين هذا من حيث إنه إيصال ماءٍ طَهورٍ غيرِ متغير إلى الباطن . ولا يدرأ هذا إلا ظنّ من يظنّ أن الوصول إلى جميع أجزاء الباطن لا يحصل إلا بمصاحبة حريفٍ للماء . والله أعلم . 31 - وكان شيخي يذكر الخلاف في استعمال الماء من وجهٍ آخر ، ويقول : ما ذكرناه هو استعمال الماء حالة الدِّباغ . فإذا دُبغ الجلد كما ذكرناه ، فلا يخلو ظاهر الجلد عن أجزاء من الشّثِّ لاصقةً به ، فهل يجب صب ماءٍ قَراحٍ ( 1 ) على ظاهر الجلد ليزيل ما ذكرناه ؟ فعلى وجهين : أحدهما - وهو الأصح - أنه يجب ؛ فإن تلك الأجزاء تنجست بملاقاة الجلد أولاً ، وهي باقيةٌ ، فلا بد من إزالتها ، وليست تلك الأجزاء كداخل الدَّن الذي استحالت الخمر فيها خلاً ؛ لأن المراد بالحكم بنجاسة داخل الدَّنّ مجاورة أجزاءِ الخمر إيّاه ، وقد انقلبت تلك الأجزاء خلاً طاهراً . وهذا لا يتحقق في الأجزاء التي تنجست بملاقاة الجلد [ النجس ] ( 2 ) . والوجه الثاني - لا يجب استعمال الماء آخراً ؛ فإن المتبع في الحكم بطهارة الجلد بالدِّباغ الخبرُ . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أيْما إهابٍ دُبغ ، فقد طهر " . وهذا قد دُبغ . وليس لقائلٍ أن يقول : عادةُ الدبَّاغين غسلُ الجلود آخراً . فإنّ ذلك ليس كذلك ، ونحن نرى الأجزاء التي ذكرناها تُنتقص من الجلود وهي تستعمل ، فليقع الاكتفاء بما يُسمى دِباغاً . ثم من أوجب غسل الجلد آخراً يحكم بطهارة عين الجلد قبل الغَسل [ ويراه ] ( 3 )
--> ( 1 ) قراح : خالص . ( 2 ) في الأصل : بالنجس ، والمثبت من ( م ) ، ( ل ) . ( 3 ) مزيدة من ( م ) ، ( ل ) .