عبد الملك الجويني
26
نهاية المطلب في دراية المذهب
وألحقه آخرون بالاستحالةِ من حيثُ إن الجلدَ يستحيلُ عن فَجاجته وتعرُّضه للعَفن بالدبغ - إلى النظافة ، ولين العريكة . وهو على الحقيقة بَيْن الإزالة ، والاستحالة ؛ فإن في الإهاب قبل الدبغ رطوباتٍ فِجّةً ، وفضلاتٍ لزجةً [ وهي ] ( 1 ) مخامرةٌ [ لجِرم ] ( 2 ) الجلد ، والفسادُ يتسرعّ إلى تلك الفضلاتِ ، ثم يَفسد بفسادها الجلدُ . والغرضُ من الدّباغ انتزاع تلك الفضلات من ظاهر الجلد ، وباطنه ، بالأشياء الحادة النافذة فيها ، كالشثّ ، وقِرْف القَرْف المقشر ( 3 ) ، وقُشورِ الرُّمّان ، والعَفص ( 4 ) ، والملحِ وغيرِها . فإذا زالت بقي جِرُم الجلدِ طيّبَ الرائحة غيرَ قابل للعَفن ، ليّن العريكة ، لا يعود فسادُه عند النَّقْع في الماء ، فلم يكن الدِّباغ كزالة النجاسة عن شيءٍ طاهر الجوهر ، ولم يكن كالاستحالة المعلومة . فإن الاستحالة إنما هي تغيّر صفة المستحيل ، لا زوالُ عينٍ عنه ، كالخمر إذا زالت شدّتُها واستعقب زوالُها صفةً أخرى ، قيل : استحالت ؛ فالدباغ من حيثُ إنه فصلُ عينٍ من الجلد يشبه إزالةَ النجاسة ، ومن حيثُ إنه يفيد انقلابَ الجلد من النجاسة إلى الطهارة يشبه الإحالة . فلما تردّد الدباغ كذلك ، جرى القول في تفصيله متردِّداً . فنقول أولاً : لا بدّ من إزالة الفضلات ، ولا يتأتّى قلعُها إلا باستعمال الأشياء الحادّة ، ولا يكفي [ عقدُ ] ( 5 ) الفضلات ، وتجميدُها . فلو شُمّس الجلدُ ، وتُرِّب ، فالفضلات باقية ، ولكنّها جامدة . وآية ذلك أن الجلدْ لو نُقع في الماء بعد ذلك ، عاد إلى فساده ؛ لأن تلك الفضلات باقية ، ولكنّها تعقّدت بالتجفيف ، وقد عادت سيّالة بالنقع في الماءِ ( 6 ) .
--> ( 1 ) في الأصل : وهن ، وهو تصحيف ظاهر . والمثبت من ( د 3 ) ، ( م ) ، ( ل ) . ( 2 ) في الأصل : لحوم . ( 3 ) قرفُ كل شيء قشرهُ ، والقَرفُ بالفتح شجرٌ يدبغُ به ( القاموس ، والمعجم ) وفي ( ل ) : كالشت ، والقرظ ، وقرف الرمان . ( 4 ) العفص : شجرة البلّوط ، وثمارها ، وهو دواء قابض مجفف ( المعجم ) . ( 5 ) في الأصل : عند . والمثبت من ( د 3 ) ، ( م ) ، ( ل ) . ( 6 ) في ( م ) : في الماء النقيع ، ( ل ) : في النقيع .