عبد الرحيم العراقي

44

شرح التبصرة والتذكرة

ساءَكَ ما سَرَّكَ مِنِّي مِنْ خُلُقٍ . قالَ ابنُ الصلاحِ : ( ( يُخْشَى على فاعلِ ذلكَ أنْ يُحْرَمَ الانتفاعَ ) ) . قلتُ : وقد جَرَّبْتُ ذلكَ ، فإنَّ شيخَنا أبا العباسِ أحمدَ بنَ عبدِ الرحمنِ الْمردَاويَّ ، كانَ كَبِرَ وعَجَزَ عن الإسماعِ حتى كُنَّا نتألَّفُهُ على قراءةِ الشيءِ اليسيرِ ، فقرأَ عليهِ بعضُ أصحابنِا فيما بلغني " العُمْدةَ " بإجازتِهِ من ابنِ عبدِ الدائمِ وأطالَ عليهِ فأضْجَرَهُ فكانَ يقولُ لهُ الشيخُ : لا أحْيَاكَ اللهُ أنْ تروِيَها عنِّي ، أو نحوَ ذلكَ ، فماتَ الطالبُ بعدَ قليلٍ ، ولم ينتفعْ بما سَمِعَهُ عليهِ . وليحذرِ الطالبُ أنْ يمنعَهُ التَّكَبُّرُ ، أو الحياءُ عن طلبِ العلمِ ، فقد ذكرَ البخاريُّ عن مجاهدٍ قالَ : ( ( لا ينالُ العلمَ مُسْتَحيٍ ، ولا مُسْتَكبرٌ ) ) ، وليتجنَّبِ الطالبُ أنْ يظفرَ بشيخٍ ، أو بسماعٍ لشيخٍ فيكتمَهُ لينفردَ بهِ عن أضرابهِ ، فذلكَ لؤمٌ مِنْ فَاعلهِ ، على أنَّهُ قد روينا فِعْلَ ذلكَ عن جماعةٍ من الأئِمَّةِ المتقدِّمينَ ، كشعبةَ وسفيانَ الثوريِّ ، وهُشيمٍ ، واللَّيثِ ، وابنِ جُرْيَجٍ ، وسفيانَ بنِ عُيينةَ ، وابنِ لَهِيْعَةَ ، وعبدِ الرَّزَّاقِ ، فاللهُ أعلمُ بمقاصدِهِم في ذلكَ . وروينا عن مالكٍ قالَ : مِنْ بَرَكَةِ الحديثِ إفادةُ بعضِهِم بعضاً