الشيخ الجواهري
20
جواهر الكلام
تعالى ( 1 ) : " زين للناس حب الشهوات " إلى آخره وارد مورد الذم ، خرج منه ما أجمع على رجحانه ، فيبقى غيره تحت العموم ، وبأن في النكاح تعريضا لتحمل حقوق الزوجة والاشتغال عن كثير من المقاصد الدينية ، فالأولى تركه إلا مع خشية العنت ، فيستحب لمكان الحاجة . ( * ويمكن الجواب * ) عن الأول ( * بأن المدح بذلك في شرع غيرنا لا يلزم منه وجوده في شرعنا * ) ودعوى أن الأصل بقاء الشرائع السابقة إلا ما دل الدليل على نسخه - فإن شرعنا ليس ناسخا لجميع ما في الشرائع السابقة بل المجموع من حيث هو مجموع ، للقطع ببقاء كثير منها كأكل الطيبات ، ونكاح الحلال ، والعبادات الثابتة في جميع الملل ، وأيضا فوروده في كتابنا الذي هو في شرعنا من دون إشارة إلى نسخة دليل على بقائه فيه ، وإلا لم يحسن مدحه عندنا - يدفعها أن الكتاب العزيز والسنة المتواترة الدالين على استحباب النكاح في شرعنا مطلقا يثبت بهما النسخ ، ويخرج بهما عن مقتضى الأصل ، والمدح على ترك الشهوة الغير الراجحة في شرعه ، لحصر النفس ومنعها عن اللذات حسن في شرعنا وإن كانت راجحة فيه ، مع أن التوصيف بالحصور لم يقع خطابا لأهل شرعنا ابتداء حتى يجب حسنه عندهم ، وإنما خوطب به زكريا عليه السلام في مقام البشارة بالولد ، وذلك يقتضي حسنه عنده لا عندنا . وربما أجيب أيضا بأنه كان مكلفا بارشاد أهل زمانه في بلادهم المقتضي للسياحة ومفارقة الزوجة المنافيتين لرجحان التزويج ، فلذلك مدحه على تركه ، لا لأن ترك التزويج من حيث هو كذلك مطلوب ومراد حتى يدل على مرجوحيته ، والحاصل أن النزاع في حكم التزويج بالنظر إلى تركه المطلق ، ولا ينافي استحبابه كذلك رجحان الترك على وجه مخصوص ، وما يقال : - إن مثله وارد في شرعنا الذي يستحب فيه التزويج لا تركه - يدفعه منع ورود مثله في شرعنا ، ضرورة وجوب رجوع الناس إلى من يحتاجون إليه ، لا أنه يجب عليه السياحة لتعليمهم ، ولو سلم ذلك لوجب القول بترك التزويج لمن هذا شأنه ، فإن ملازمة التغرب والسياحة مما
--> ( 1 ) سورة آل عمران : 3 - الآية - 14 .