الشيخ الجواهري
21
جواهر الكلام
لا يتأتى معها القيام بحقوق الزوجية ، وحصول التمانع بينها وبين الارشاد يقتضي تقديمه كما في يحيى عليه السلام . ولعل الأولى في الجواب أن المراد بالحصور ما عن كثير من المفسرين من أنه المبالغ في حبس النفس عن الشهوات والملاهي ، من الحصر بمعنى الحبس ، وحينئذ فمدحه عليه السلام بتنكبه عن الشهوات وإعراضه عن الملاهي واللذات كما هو المعهود من حاله على ما حكاه عنه العسكري عليه السلام ( 1 ) قال : " ما من عبد لله إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئة ما خلا يحيى بن زكريا عليه السلام ، فلم يذنب ولم يهم بذنب " عكس المعهود من حال غيره الذي زين له حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة وغيرها من الملاذ الشهوات ، فلا دلالة في الآية على رجحان ترك التزويج ، ضرورة أن حصوريته بالمعنى المزبور لا تنافي تزويجه للنسل وغيره ، لا للشهوة واللذة ونحوهما . ولعله إلى هذا وما يقرب منه يرجع ما أجيب عنه أيضا بأن مدحه عليه السلام ليس على ترك التزويج حتى يدل على مرجوحيته ، بل على انكسار الشهوة الطبيعية له بغلبة الخوف واستيلاء الخشية وقهرها بالعبادات والرياضات ، ولا ريب في حسن ذلك ومدحه وإن أدى إلى ترك التزويج المطلوب ، فإن تأدية الشئ إلى ترك أمر مطلوب لا ينافي حسنه ، لتمانع أكثر الطاعات مع اتصاف جميعها بالحسن ، وإنما أطلق عليه الحصور لأن وجود الشهوة فيه بمنزلة العدم ، فكأنه حصور لا شهوة له أصلا ، وليس إطلاقه عليه لترك النساء الملزوم لترك التزويج حتى يكون مدحا له على ذلك فيستلزم مرجوحية التزويج ، ولا لسلب الشهوة ونزعها عنه بالكلية حتى ينافي وروده مورد المدح والثناء ، ووقوعه نعتا لمن لا يليق به النقص . وعلى كل حال فلا دلالة في الآية على رجحان ترك التزويج لمن تتق نفسه إليه . بل مما ذكرنا يستفاد الجواب عن الثاني ، ضرورة كون الذم المستفاد من آية التزيين لمن لم يبالوا بالدين وحدوده ، واتبعوا ما تهواه أنفسهم من حب
--> ( 1 ) البحار - ج 14 - ص 186 - الطبع الحديث .