الشيخ الجواهري

308

جواهر الكلام

كون الإجازة تنفيذا ، لا ابتداء عطية ، كما عرفت ، فتصرف الموصي حينئذ يقع في ماله ، إلا أنه كان متوقفا على إجازة الوارث ، وبها يتم تصرفه في ماله ، لا أنه يكون التصرف من الوارث ، فلا دلالة في الوصية الثانية على الرجوع عن الأولى لعدم التضاد بينهما بخلاف ما لو علقها بما علق الأولى ، فإنه يحصل التضاد فليس إلا الفسخ والرجوع ويكون الثاني كالوارد على الأول فينسخه ، ضرورة كونه حينئذ كالدليل الوارد على الأصل ، إذ لا معارض للثانية إلا استصحاب صحة الأولى المعارض بما وقع من نفس الوصية الثانية ، ومن هنا حكمنا بنسخ الأولى للثانية ، دون العكس ، وكذا لو قال ثلث لزيد ثم قال ثلثي لعمرو ، فإنه رجوع بخلاف العكس . وبما ذكرنا يظهر لك الحال فيما ذكره جملة من الأصحاب في المقام ، فإنه كما في المسالك قد اختلف اختلافا كثيرا حتى من الرجل الواحد في الكتب المتعددة بل الكتاب الواحد ، بل فيها أنه اتفق لشيخ الطائفة غرائب في المسألة حيث قال في الخلاف : " إذا أوصى بثلث ماله لانسان ، ثم أوصى بثلث ماله لغيره ولم يجز الورثة كانت الوصية الثانية رافعة للأولى ، وناسخة لها ، ثم استدل عليه باجماع الفرقة وأخبارهم ، وبأنه لو قال : العبد الذي أوصيت به لفلان ، قد أوصيت به لفلان ، فإنه يكون رجوعا عن الأولى ، فكذا إذا أطلق ، وادعى عدم الفرق بين المقيد والمطلق ، ثم قال فيه أيضا لو أوصى لشخص بماله ، ولآخر بثلثه ، وأجاز وأبطل الأخير ، ولو بدء بالثلث وأجازوا أعطى الأول الثلث والأخير الثلثين " وهذا ظاهر المنافاة للسابق الذي ادعى عليه الاجماع ، لأن الثلث في المسألة الثانية مضاف إليه ، فهو أقوى في إرادة ثلثه الخاص به ، من ثلث ماله في السابق الذي جعله رجوعا ، وكون السابق في الثانية جميع ماله ، لا يؤثر في دفع المنافاة ، لأن جميع ماله متضمن للثلث الذي أوصى به ثانيا ، وما احتج من الأخبار لم نقف عليه أصلا ، إلا من حيث عموم ما دل منها على جواز الرجوع عن الوصية ، وذلك لا يفيده ، لمنع تناوله للمتنازع ، وأما عدم فرقه بين المطلق والمقيد فغني عن الجواب . قلت : ومضافا إلى ذلك أنه إذا حمل المطلق على إرادة ثلثه ، لم يتجه اشتراط