ابن سعد
326
الطبقات الكبرى ( دار الكتب العلمية )
يَخْزُنُ لِسَانَهُ إِلا مِمَّا يُعِينُهُمْ وَيُؤَلِّفَهُمْ وَلا يُفَرِّقُهُمْ . أَوْ قَالَ يُنَفِّرُهُمْ . وَيُكْرِمُ كَرِيمَ كُلِّ قَوْمٍ وَيُولِيهِ عَلَيْهِمْ . وَيَحْذَرُ النَّاسَ وَيَحْتَرِسُ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْوِيَ عَنْ أَحَدٍ بَشَرَهُ وَلا خُلُقَهُ . وَيَتَفَقَّدُ أَصْحَابَهُ وَيَسْأَلُ النَّاسَ عَمَّا فِي النَّاسِ . وَيُحَسِّنُ الْحَسَنَ وَيُقَوِّيهِ . وَيُقَبِّحُ الْقَبِيحَ وَيُوهِنُهُ . مُعْتَدِلُ الأَمْرِ غَيْرَ مُخْتَلِفٍ . لا يَغْفُلُ مَخَافَةَ أَنْ يَغْفُلُوا . لِكُلِّ حَالٍ عِنْدَهُ عَتَادٌ . لا يقصر عن الحق ولا يجوزه الدين . يَلُونَهُ مِنَ النَّاسِ خِيَارُهُمْ . أَفْضَلُهُمْ عِنْدَهُ أَعَمُّهُمْ نَصِيحَةً . وَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً أَحْسَنُهُمْ مُؤَاسَاةً وَمُؤَازَرَةً ] . [ قَالَ : فَسَأَلْتُهُ عَنْ مَجْلِسِهِ . فَقَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يَجْلِسُ وَلا يَقُومُ إِلا عَلَى ذِكْرٍ . لا يُوطِنُ الأَمَاكِنِ وَيَنْهَى عَنْ إِيطَانِهَا . وَإِذَا انْتَهَى إِلَى قَوْمٍ جَلَسَ حَيْثُ انْتَهَى بِهِ الْمَجْلِسُ وَيَأْمُرُ بِذَلِكَ . يُعْطِي كُلَّ جُلَسَائِهِ بِنَصِيبِهِ . لا يَحْسَبُ جَلِيسُهُ أَنَّ أَحَدًا أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنْهُ . مَنْ جَالَسَهُ أَوْ قَاوَمَهُ فِي حَاجَةٍ صَابَرَهُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْمُنْصَرَفُ . وَمَنْ سَأَلَهُ حَاجَةً لَمْ يَرُدَّهُ إِلا بِهَا أَوْ بِمَيْسُورٍ مِنَ الْقَوْلِ . قَدْ وَسِعَ النَّاسَ مِنْهُ بَسْطُهُ وَخُلُقُهُ . فَصَارَ لَهُمْ أَبًا وَصَارُوا فِي الْحَقِّ عِنْدَهُ سَوَاءً . مَجْلِسُهُ مَجْلِسُ حِلْمٍ وَحَيَاءٍ وَصَبْرٍ وَأَمَانَةٍ لا تُرْفَعُ فِيهِ الأَصْوَاتُ وَلا تُؤَبَّنُ فِيهِ الْحُرَمُ وَلا تُنْثَى فَلَتَاتُهُ مُتَعَادِلِينَ يَتَفَاضَلُونَ فِيهِ بِالتَّقْوَى . مُتَوَاضِعِينَ يُوَقِّرُونَ فِيهِ الْكَبِيرَ وَيَرْحَمُونَ فِيهِ الصَّغِيرَ . وَيُؤْثِرُونَ ذَا الْحَاجَةِ . وَيَحْفَظُونَ أَوْ يَحُوطُونَ الْغَرِيبَ ] . [ قَالَ قُلْتُ : كَيْفَ كَانَتْ سِيرَتُهُ فِي جُلَسَائِهِ ؟ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَائِمَ الْبِشْرِ . سَهْلَ الْخُلُقِ . لَيِّنَ الْجَانِبِ . لَيْسَ بِفَظٍّ وَلا غَلِيظٍ وَلا صَخَّابٍ وَلا فَحَّاشٍ وَلا عَيَّابٍ . يَتَغَافَلُ عَمَّا لا يَشْتَهِي . وَلا يَدْنَسُ مِنْهُ وَلا يُجْنِبُ فِيهِ . قَدْ تَرَكَ نَفْسَهُ مِنْ ثَلاثٍ : الْمِرَاءِ . وَالإِكْثَارِ . وَمِمَّا لا يَعْنِيهِ . وَتَرَكَ النَّاسَ مِنْ ثَلاثٍ . كَانَ لا يَذِمُّ أَحَدًا وَلا يُعَيِّرُهُ . وَلا يَطْلُبُ عَوْرَتَهُ . وَلا يَتَكَلَّمُ إِلا فِيمَا رَجَا ثَوَابَهُ . إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطَّيْرُ . فَإِذَا سَكَتَ تَكَلَّمُوا وَلا يَتَنَازَعُونَ عِنْدَهُ . مَنْ تَكَلَّمَ أَنْصَتُوا لَهُ حَتَّى يَفْرُغَ حَدِيثُهُمْ عِنْدَهُ . حَدِيثُ أَوَّلِيَّتِهِمْ يَضْحَكُ مِمَّا يَضْحَكُونَ مِنْهُ . وَيَتَعَجَّبُ مِمَّا يَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ . وَيَصْبِرُ لِلْغَرِيبِ عَلَى الْجَفْوَةِ فِي مَنْطِقِهِ وَمَسْأَلَتِهِ حَتَّى إِذَا كَانَ أَصْحَابُهُ لَيَسْتَجْلِبُونَهُمْ . وَيَقُولُ : إِذَا رَأَيْتُمْ طَالِبَ الْحَاجَةِ يَطْلُبُهَا فَأَرْدِفُوهُ . وَلا يَقْبَلُ الثَّنَاءَ إِلا مِنْ مُكَافِئٍ . وَلا يَقْطَعُ عَنْ أَحَدٍ حَدِيثَهُ حَتَّى يَجُوزَ فَيَقْطَعُهُ بِنَهْي أَوْ قِيَامٍ ] . [ قَالَ : فَسَأَلْتُهُ كَيْفَ كَانَ سُكُوتُهُ . قَالَ : كَانَ سُكُوتُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَرْبَعٍ : عَلَى الْحِلْمِ . وَالْحَذَرِ . وَالتَّقْرِيرِ . وَالتَّفَكُّرِ . فَأَمَّا تَقْرِيرُهُ فَفِي تَسْوِيَةِ النَّظَرِ