عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
461
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
ولهذا قيل : إنه رقية الزنا . وقد افتتن بسماع الغناء خلق كثير فأخرجهم استماعه إِلَى العشق ، وفتنوا في دينهم . فلو لم يرد نصٌّ صريحٌ في تحريم الغناء بالشعر الَّذِي توصف فيه الصور الجميلة لكان محرمًا بالقياس عَلَى النظر إِلَى الصور الجميلة ، التي يحرم النظر إليها بالشهوة بالكتاب والسنة وإجماع من يُعتد به من علماء الأمة . فإن الفتنة كما تحصل بالنظر والمشاهدة ، فكذلك تحصل بسماع الأوصاف ، واجتلائها من الشعر الموزون المحرك للشهوات ، ولهذا " نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تصف المرأةُ المرأةَ لزوجها ، كأنّه ينظر إليها " ( 1 ) ؛ لما يخشى من ذلك من الفتنة ، وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - زنا العينين النظر ، وزنا الأذنين الاستماع ( 2 ) . وقال أبو هريرة رضي الله عنه : ثلاث فاتنات مُفتنات يُكببن في النار : رجلٌ ذو صورة حسنة ، فاتن مفتون به يُكب في النار ، ورجلٌ ذو شعر حسن ، فاتن مفتون به يُكب في النار ، ورجلٌ ذو صوت حسن ، فاتن مفتون به يُكب في النار . خرجه حميد بن زنجويه في كتاب الأدب . القسم الثاني : أن يقع استماع الغناء بآلات اللهو ، أو بدونها عَلَى وجه التقرب إِلَى الله - عز وجل - وتحريك القلوب إِلَى محبته ، والأنس به والشوق إِلَى لقائه ؛ وهذا هو الَّذِي يدعيه كثير من أهل السلوك ومن يتشبه بهم ممن ليس منهم ، وإنما يتستر بهم ، ويتوصل بذلك إِلَى بُلوغ غرض نفسه ، من نيل لذته ، فهذا المتشبه بهم ، ومخادع مُلبِّسٌ . وفسادُ حاله أشهر من أن يخفى عَلَى أحدٍ . وأما الصادقون في دعواهم ذلك - وقليلٌ ما هم - فنهم ملبوس عليهم ، حيث تقربُوا إِلَى الله عز وجل بما لم يشرعه الله تعالى ، واتخذوا دينًا لم يأذن الله فيه . فلهم نصيبٌ ممن قال الله تعالى فيه : { وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 5240 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 6243 ) ، ومسلم ( 2657 ) .