عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
462
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
مُكَاءً وَتَصْدِيَةً } ( 1 ) والمكاء : الصفير ، والتصدية : التصفيق باليد . كذلك قال غير واحد من السَّلف . وقال تعالى : { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ } ( 2 ) فإنه إِنَّمَا يتقرب إِلَى الله - عز وجل - بما يُشرع التقربُ به إِلَيْهِ عَلَى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - . فأما ما نهي عنه ، فالتقرب به إِلَيْهِ مُضادةٌ لله عزَّ وجل في أمره ، قال القاضي أبو الطيب الطبري رحمه الله في كتابه في السماع : اعتقاد هذه الطائفة مخالفٌ لإجماع المسلمين ؛ فإنه ليس فيهم من جعل السماع دينًا وطاعة ، ولا رأى إعلانه في المساجد والجوامع ، وحيث كان من البقاع الشريفة ، والمشاهد الكريمة . وكان مذهب هذه الطائفة مخالفًا لما اجتمعت عليه العُلَمَاء ، ونعوذ بالله من سوء التوفيق . انتهى ما ذكره . ولا ريب أن التقرب إِلَى الله تعالى بسماع الغناء المُلحن ، لا سيما مع آلات اللهو مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام ، بل ومن سائر شرائع المرسلين أنه ليس مما يُتقرب به إِلَى الله ، ولا مما تُزكى به النفس وتُطهر به فإن الله - تعالى - شرع عَلَى ألسنة الرسل كل ما تزكو به النفوس وتطهر من أدناسها وأوضارها . ولم يشرع عَلَى لسان أحد من الرسل في ملة من الملل شيئًا من ذلك . وإنما يأمر بتزكية النفوس بذلك من لا يتقيد بمتابعة الرسل من أتباع الفلاسفة ، كما يأمرون بعشق الصور ، وذلك كله مما تحيا به النفوس الأمارة بالسوء ، لما لها فيه من الحظ . ويقوى به الهوى ، وتموت به القلوب المتصلة بعلام الغيوب ، وتبعد به عنه . فغلط هؤلاء واشتبه عليهم حظوظ النفوس وشهواتها بأقوات القلوب الطاهرة ، والأرواح الزكية المعلقة بالمحل الأعلى ، واشتبه الأمر في ذلك أيضًا عَلَى طوائف من المسلمين ممن ينتسب إِلَى السلوك ، ولكن هذا مما حدث في الإسلام بعد انقراض القُرون الفاضلة ، وكان قد حدث قبل ذلك
--> ( 1 ) الأنفال : 35 . ( 2 ) الشورى : 21 .