عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
458
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
وكان أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - وهو من أعلام عُلماء التابعين ، وأحد الخلفاء الراشدين المهديين - يبالغ في إنكار الغناء والملاهي ، ويذكر أنها بدعة في الإسلام . وكفى بأمير المؤمنين قدوة ، وقد كان من هو أسن منه من التابعين يقتدون به في الدين ، حتى سُئل ابن سيرين عن بعض الأشربة ، فَقَالَ : نهى عنه عمر بن عبد العزيز ، وهو إمام هدى . وروى ابن أبي الدُّنْيَا بإسناد له ، أن عمر بن عبد العزيز كتب إِلَى مؤدب ولده : ليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي ، التي بدؤهَا من الشيطان ، وعاقبتها سخط الرحمن جل جلاله ، فإنه بلغني عن الثقات من حملة العِلْم أن حضور المعازف ، واستماع الأغاني واللهج بها ينبت النفاق في القلب كما يُنبت النبتَ الماءُ . وقد حكى زكريا بن يحيى الساجي - في كتابه اختلاف العُلَمَاء - اتفاق العُلَمَاء عَلَى النهي عن الغناء ، إلا إبراهيم بن سعد المدني وعبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة . وهذا في الغناء دون سماع آلات الملاهي ، فإنه لا يعرف عن أحد ممن سلف الرخصة فيها . إِنَّمَا يعرف ذلك عن بعض المتأخرين من الظاهرية والصوفية ، ممن لا يعتد به . ومن حكى شيئًا من ذلك عن مالك فقد أبطل ، إلا أن مالكًا يرى أن الدف والكَبَر ( 1 ) أخف من غيرهما من الملاهي ، فلا يرجع لأجلهما من دُعي إِلَى وليمة فرأى فيها شيئًا من ذلك ، وقد قال الإمام أحمد : حدثنا إسحاق بن عيسى الطباع قال : سألت مالك بن أنس عما يترخص فيه أهل المدينة من الغناء ، فَقَالَ : إِنَّمَا يفعله عندنا الفساق ، وكذا قال إبراهيم بن المنذر الحزامي ، وهو من علماء أهل المدينة . فتبين بهذا موافقة علماء أهل المدينة المعتبرين لعلماء سائر الأمصار في النهي عن الغناء وذمه ، ومنهم القاسم بن محمد وغيره ، كما هو قول علماء أهل مكة كمجاهد وعطاء ، وعلماء أهل الشام كمكحول والأوزاعي ، وعلماء أهل مصر كالليث بن سعد ، وعلماء أهل الكوفة كالثوري وأبي حنيفة ، ومن قبلهما كالشعبي والنخعي وحماد ، ومن قبلهم من التابعين أصحاب ابن
--> ( 1 ) الكَبَر : الطبل ذو الرأسين وقيل : الطبل الَّذِي له وجه واحد ، " النهاية " ( 4 / 143 ) .