عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
776
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
للإخراج من الحكم لكن صار حقيقة عرفية في مناقضة المستثنى منه ، وهذا يشبه بقل اللفظ عن المعنى الخاص إِلَى العام ، إذا صار حقيقة عرفية فيه . كقولهم " لا أشرب له شربة ماء " ونحو ذلك ، وكنقل الأمثال السائرة ونحوها مما ليس هذا موضع بسطه . وهذا الجواب ذكره أبو العباس ابن تيمية في بعض كلامه القديم ، وهو يقتضي أن دلالة " إِنَّمَا " عَلَى الحصر إِنَّمَا هو بطريق العرف والاستعمال ، لا بأصل وضع اللغة ، وهو قول حكاه غيره في المسألة . وأما قوله تعالى { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } ( 1 ) وقوله - صلى الله عليه وسلم - : " إِنَّمَا الربا في النسيئة " . وقوله : " إِنَّمَا الشهر تسع وعشرون " . وقولهم : " إِنَّمَا العالم زيد " ونحو ذلك . فيقال : معلوم من كلام العرب أنهم ينفون الشيء في صيغ الحصر وغيرها تارةً لانتفاء ذاته ، وتارة لانتفاء فائدته ومقصوده ، ويحصرون الشيء في غيره تارةً لانحصار جميع الجنس فيه ، وتارةً لانحصار المفيد أو الكامل فيه ، ثم إنهم تارة يعيدون النفي إِلَى المسمى ، وتارةً إِلَى الاسم ، وإن كان ثابتًا في اللغة إذا كان المقصود الحقيقي بالاسم منتفيًا عنه ثابتًا لغيره كقوله تعالى : { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ } ( 2 ) . فنفى عنهم مسمى الشيء مع أنه في الأصل شامل لكل موجود من حقٍ وباطلٍ ، لما كان ما لا يفيد ولا منفعة فيه يؤول إِلَى الباطل الَّذِي هو العدم فيصير بمنزلة المعدوم ، بل قد يكون أولى بالعدم من المعدوم المستمر عدمه ؛ لأنّه قد يكون فيه ضرر ، فمن قال الكذب فلم يقل شيئًا ، ومن لم يعمل ما ينفعه بل ما يضره فلم يعمل شيئًا ، ولهذا لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكفار فَقَالَ : " ليسوا بشيء " ( 3 ) . ويقول أهل الحديث عن بعض الرواة المجروحين أو الأحاديث الواهية :
--> ( 1 ) الأنفال : 2 . ( 2 ) المائدة : 68 . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 6213 ، 5762 ، 7561 ) ، ومسلم ( 122 ، 123 ، 2228 ) من حديث عائشة وعندهما : " الكهان " بدلاً من " الكفار " .