عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
764
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
الميت عند موته ، إِنَّمَا يبكي لفقد حظه منه ، إما من نفعه الحاصل له به من مال أو غيره ، أو لفقده الأنس به ونحو ذلك من حظوظ الباكين ، ولا يبكون رحمة لما هو فيه ، وبكاء الرحمة هو بكاء العارفين دون بكاء الحزن ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بكى : " إِنَّمَا هذه رحمة ، وإنَّما يرحم الله من عباده الرحماء " ( 1 ) . احتضر بعض ( الصالحين ) ( 2 ) فبكى أبواه وولده وأهله وصبيانه ، فسألهم ما الَّذِي أبكاهم ؟ قال أبواه : نبكي لفراقك ، وما نتعجل من الوحشة بعدك . وقال ولده : نبكي لفراقك وما يُتعجَّلُ من اليتم بعدك . فَقَالَ : كلكم يبكي لدنياي ، أما فيكم من يبكي لآخرتي ؟ أما فيكم من ييكي لما يلقى في التراب وجهي ؟ أما فيكم من يبكي لمسائلة منكر ونكير ؟ أما فيكم من يبكي لوقوفي بين يدي ربي ؟ ثم صرخ صرخة فمات رحمه الله . فمن قلت بواكيه كان ذلك أقرب إِلَى رحمته . وقد روى صالح المري عن الحسن قال : إن الله إذا توفى المؤمن ببلاد غربة لم يعذبه رحمة لغربته ، وأمر الملائكة فبكته لغيبة بواكيه عنه . وفي الحديث " إن من مات في غير مولده قِيسَ به إِلَى منتهى أثره في الجنة " . وقد تبكي السماء والأرض عَلَى المؤمن لفقد عمله الصالح . وقد قال طائفة من السَّلف في قوله عز وجل : { فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ } ( 3 ) قالوا : إن السماء والأرض تبكي عَلَى المؤمن . فَقَالَ علي : يبكي عَلَى المؤمن مصلاه الَّذِي كان يصلي فيه من الأرض ، وبابه الَّذِي كان يصعد فيه قوله وعمله ، ولم يكن ذلك لآل فرعون ، فلذلك لم ( تبك ) ( 4 )
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 1284 ) من حديث أسامة بن زيد بلفظ " هذه رحمة . . . " . ( 2 ) كان مكانها في الأصل : " العارفين " ووضع فوقها حرف " ح " وكتب في الهامش " الصالحين " صح فكأن الأولى خطأ أو أنها نسخة والحاء " خاء " ، والله أعلم . ( 3 ) الدخان : 29 . ( 4 ) في الأصل : " تبكي " وما أثبتناه هو الأصوب .