عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
765
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
عليهم السماء والأرض . وقيل : إن في التوراة أن الأرض تبكي عَلَى المؤمن أربعين صباحًا . فكلما قلت بواكي الميت المؤمن من بني آدم ، كان أقرب إِلَى بكاء غيرهم عليه . وقد سُمع نياحة الجن وبكاؤهم عَلَى جماعة من سلف الأمة منهم : عمر ابن الخطاب ، والحسين بن علي ، وعمر بن عبد العزيز - رضي الله عنهم - . كان للمأمون ولد يسمى عليًّا وكان شديد الترف ، فألقى الله في قلبه الزهد في الدُّنْيَا ، فهرب من أبيه وخرج إِلَى البصرة وتنكر ولبس الخشن ، وكان يصوم النهار ويقوم الليل ، ويحمل عَلَى رأسه للناس بالأجرة ما يتقوت به ، ويبيت في المساجد يتخللها حتى لا يفطن به ، فمرض في بعض المساجد ، فلما اشتد مرضه دخل خانًا بالبصرة ، فاكترى فيه بيتًا وألقى نفسه عَلَى بارية فلما آيس من نفسه ، دعا صاحب الخان ، فناوله خاتمه ورقعة مختومة فَقَالَ له : إذا مت فأخرج إِلَى صاحبكم - يعني الأمير - بالبصرة فأه خاتمي وعرِّفهُ موضعي وناولُه هذه الرقعة . فلما مات خرج الرجل إِلَى باب الأمير ، فأدى النصيحة فأدخله فأراه الخاتم ، فلما نظر إِلَيْهِ عرفه فَقَالَ : ويلك أين صاحب هذا الخاتم ؟ قال : في الخان ميت ، وناوله الرقعة مختومة مكتوب عليها : لا يفكها إلا المأمون أمير المؤمنين ، فأرسله الأمير ميتًا في دجلة إِلَى المأمون ، وكتب إِلَيْهِ يعرفه قصته وأنه وجده في غرفة عَلَى بارية في بعض الخانات ، ما تحته مهاد ولا عنده باكية ، مسجي مغمض العينين مستنير الوجه طيب الرائحة ، وبعث معه الخاتم والرقعة ، ففكها المأمون فإذا فيها : يا أمير المؤمنين اقرأ سورة الفجر إِلَى قوله تعالى : { إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ } ( 1 ) فاعتبر بها ، واعلم أن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .
--> ( 1 ) الفجر : 14 .