عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
405
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
ومن كانت هذه حاله ، فإنه لا يكره أن يُردَّ عليه قولُه ويتبين له مخالفتُه للسنة لا في حياته ولا في مماته . وهذا هو الظنُّ بغيره من أئمة الإسلام ، الذَّابين عنه ، القائمين بنصره من السَّلف والخلف ، ولم يكونوا يكرهون مُخالفة من خالفهم أيضًا بدليلٍ عَرَضَ له ، ولو لم يكن ذلك الدليل قويًّا عندهم بحيثُ يتمسكون به ويتركون دليلهم له . ولهذا كان الإمام أحمد يذكر إسحاق بن راهويه ويمدحه ويثني عليه ويقول : " وإن كان يخالفُ في أشياء ، فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضًا " ، أو كما قال . وكان كثيرًا يُعرضُ عليه كلامُ إسحاق وغيره من الأئمة ، ومأخذُهم في أقوالهم ، فلا يوافقُهم في قولهم ، ولا يُنكر عليهم أقوالهم ولا استدلالهم ، وإن لم يكن هو موافقًا عَلَى ذلك كله . وقد استحسن الإمام أحمدُ ما حُكي عن حاتم الأصَم ، أنه قِيلَ لَهُ : أنت رجلٌ أعجمي لا تفصح ، وما ناظرك أحدٌ إلا قطعته ، فبأي شيء تغلبُ خصمَك ؛ فَقَالَ : بثلاث ، أفرح إذا أصاب خصمي ، وأحزن إذا أخطأ ، وأحفظ لساني عنه أن أقول له ما يسوءه ، أو معنى هذا ، فَقَالَ أحمد : " ما أعقَلَه من رجل " . فحينئذ ، فرد المقالات الضعيفة ، وتبيين الحق في خلافها بالأدلة الشرعية ليس هو مما يكره العُلَمَاءُ ، بل مما يحبونه ويمدحون فاعله ، ويُثنون عليه . فلا يكون داخلاً في باب الغيبة بالكلية ، فلو فُرض أنَّ أحدًا يكره إظهارَ خطئه المخالفِ للحقّ ، فلا عبرةَ بكراهته لذلك ، فإنَّ كراهة إظهار الحق إذا كان مخالفًا لقولِ الرجل ليس من الخصال المحمودة ، بل الواجب عَلَى المسلم أن يُحبَّ ظهورَ الحق ومعرفة المسلمين به ، سواء كان ذلك في موافقته أو