عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

404

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

ومن بعدهم . ولم ينكر ذلك أحدٌ من أهل العِلْم ، ولا ادَّعى فيه طعنًا عَلَى من ردَّ عليه قوله ، ولا ذمًّا ولا نقصًا ، اللهم إلا أن يكون المصنَّفُ يُفحش في الكلام ، ويسئ الأدب في العبارة فيُنكرُ عليه فحاشتُه وإساءتُه دون أصل رده ، ومخالفته إقامة الحجج الشرية ، والأدلة المُعتبرة . وسبب ذلك أن علماء الدين كلهم مُجمعون عَلَى قصد إظهار الحق الَّذِي بعث الله به رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وأن يكون الدينُ كلُّه لله ، وأن تكون كلمته هي العليا . وكلُّهم معترفون بأن الإحاطة بالعلم كلِّه - من غير شذوذ شيء منه - ليس هو مرتبةَ أحدٍ منهم ، ولا ادَّعاه أحدٌ من المتقدمين ولا من المتأخرين ، فلهذا كان أئمة السَّلف المجمع عَلَى علمهم وفضلهم يقبلون الحقَّ ممن أورده عليهم ، وإن كان صغيرًا ، ويوصون أصحابهم وأتباعَهُم بقَبول الحق إذا ظهر في غير قولهم . كما قالَ عُمر في مهور النساء ، وردَّت تلك المرأة عليه بقوله تعالى : { وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا } ( 1 ) فرجع عن قوله وقال : " أصابت امرأةٌ ورجلٌ أخطأ " ، ورُوي عنه أنه قال : " كل أحد أفقه من عمر " . وكان بعضُ المشهورين إذا قال في رأيه بشيء يقول : " هذا رأينا ، فمن جاءنا برأي أحسن منه قبلناه " . وكان الشافعي يُبالغ في هذا المعنى ويوصي أصحابه باتِّباع الحق ، وقبول السنة ، إذا ظهرت لهم عَلَى خلاف قولهم ، وأن يضرب بقوله حينئذ الحائط ، وكان يقول في كتبه : لا بد أن يوجد فيها ما يخالف الكتاب والسنة ؛ لأنّ الله تعالى يقول : { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } ( 2 ) . وأبلغُ من هذا ، أنه قال : " ما نَاظَرني أحدٌ فباليتُ ، أظهرت الحجةُّ عَلَى لسانه أو عَلَى لساني " . وهذا يدلُّ عَلَى أنه لم يكن له قصدٌ إلا في ظهور الحق ولو كان عَلَى لسان غيره ممَّن يناظرُه أو يخالفه .

--> ( 1 ) النساء : 20 . ( 2 ) النساء : 82 .