عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

403

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين الحمدُ لله رب العالمين ، وصلاته وسلامه عَلَى إمام المتقين ، وخاتم النبيين وآله وصحبه أجمعين ، والتابعين لهم بإحسان إِلَى يوم الدين . أما بعد : فهذه كلماتٌ مختصرةٌ جامعةٌ في الفرق بين النصيحة والتعيير ، فإنهما يشتركان في أنَّ كلاًّ منهما ذكر للإنسان بما يكره ذكرُه ، وقد يشتبه الفرق بينهما عند كثير من الناس . والله الموفق للصواب . اعلم أن ذكر الإنسان بما يكره مُحَرَّم ، إذا كان المقصود منه مجردَ الذم والعيبِ والنقصِ ، فأمَّا إِن كان فيه مصلحة لعامة المسلمين ، أو خاصة لبعضهم ، وكان المقصودُ منه تحصيلَ تلك المصلحةِ ، فليس بمحرم ، بل مندوب إِلَيْهِ . وقد قرَّر علماء الحديث هذا في كتبهم في " الجرح والتعديل " ، وذكروا الفرق بين جرح الرواة وبين الغيبة ، وردُّوا عَلَى من سوَّى بينهما من المتعبدين وغيرهم ممن لا يتَّسع علمه . ولا فرق بين الطعن في رواةِ ألفاظ الحديث والتمييز بين من تُقبل روايتُه منهم ومن لا تُقبل ، وبين تبيين خطأ من أخطأ في فهم معاني الكتاب والسنة وتأوَّل شيئًا منها عَلَى غير تأويله ، وتمسَّك بما لا يتمسَّك به ؛ ليحذر من الاقتداء به فيما أخطأ فيه ، وقد أجمع العُلَمَاء عَلَى جواز ذلك أيضاً . ولهذا تجد كتبهم المصنَّفة في أنواع العلوم الشرعية من التفسير ، وشرح الحديث ، والفقه ، واختلاف العُلَمَاء وغير ذلك ممتلئة من المناظرات ، وردوا أقوال من تضعَّف أقواله من أئمة السلف والخلف ، من الصحابة والتابعين