عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
654
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
النَّاسَ اصْطَنَعُوا الخَوَاتِيمَ مِنْ وَرِقٍ وَلَبِسُوهَا ، فَطَرَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَطَرَحَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ » . والصواب : القول الأول ، فإن لبس النبي صلى الله عليه وسلم للخاتم إِنَّمَا كان في الأصل لأجل مصلحة ختم الكتب التي يرسلها إِلَى الملوك ، ثم استدام لبسه ، ولبسهُ أصحابه معه ، ولم ينكره عليهم ، بل أقرهم عليه ، فدل ذلك عَلَى إباحته المجردة . فأما ما جاء في حديث الزهري عن أنس " أن النبي صلى الله عليه وسلم لَبِسَهُ يَوْمًا وَاحِدًا ثُمَّ أَلْقَاهُ " . فقد أجيب عنه بثلاثة أجوبة : أحدها : أنَّه وهم من الزهري وسهو جرى عَلَى لسانه بلفظ الوَرِق ، وإنَّما الَّذِي لبسه يومًا ثم ألقاه كان من ذهب ، كما ثبت ذلك من غير وجه من حديث ابن عمر وأنس أيضًا ، وسنذكره إِنَّ شاء الله تعالى . ويدل عَلَى هذا إخبار ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم لبسه وكان في يده ، وكذلك أنس ، وإنَّما نُسبَ السهو إِلَى الزهري هاهنا ؛ لأنّه رواه عنه كذلك يونس بن يزيد ، وإبراهيم بن سعد ، وزياد بن سعد ، وشعيب ، وابن هشام ، وكلهم قالوا : من وَرِق . قلت : رُوي عن زياد بن سعد وعبد الرحمن بن خالد بلفظة : " من ذهب " ، وسنذكره . الثاني : أن الخاتم الَّذِي رمى به النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن كله من فضة ، وإنَّما كان ( من حديد ) ( * ) عليه فضة ، وهذا الجواب ظاهر ما ذكره أحمد في رواية أبي طالب " كان للنبي صلى الله عليه وسلم خاتم من حديد عليه فضة فرمى به ، فلا يصلى في الحديد والصُّفر " . وهذا الَّذِي قاله أحمد من خاتم الحديد . قد رواه أبو داود ( 1 ) والنسائي ( 2 ) من حديث إياس بن الحارث بن
--> ( * ) حديدًا : " نسخة " . ( 1 ) برقم ( 4224 ) . ( 2 ) برقم ( 5220 ) .