عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
591
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
فأما الإماء ، فمذهب أحمد أنه يجب عَلَى السيد إعفافهن إذا طلبن الإعفاف : إما بنفسه إِن أمكن ، وإما بالتزويج ، أو بخروجهن عن ملكه بالعتق ، وفي إجباره عليه ضرر له ، فَإِذَا لم يعفهن بنفسه تعين إعفافهن بالتزويج . وقد ذكر القاضي في غير موضع من كتابه " الجامع الكبير " أن الحاكم لا يجبر السيد عَلَى تزويج إمائه إذا طلبن ذلك ؛ لأنّ لنا طريقًا إِلَى إزالة ضررها بدون النكاح ، فلذلك قام الحاكم فيه مقام الأولياء عند امتناعهم منه ، وهذا التعليل يقتضي أن أم الولد يزوجها الحاكم إذا امتنع السيد من تزويجها ؛ لأنّه لا يمكن نقل الملك فيها إلا أن نقول : يجبره الحاكم عَلَى أحد أمرين : إما إعفافهن بالوطء ، أو بالنكاح . وقد يقال : إنه يمكن إزالة ضررها ، بإخراجها عن ملكه بالعتق لتصير حرة . ثُم قال القاضي - بعد ما ذكره من التعليل والفرق - : فعلى هذا لو كان السيد غائبًا غيبة منقطعة ، وله أمة ، وقد دعيت إلي التزويج ، أو كان سيدها صبيًّا أو مجنونًا احتمل أن يزوجها الحاكم كما ينفق عليها من ماله . ومعنى هذا أنه إذا طلبت الأمة النكاج وكان الزوج ممن لا يمكن أن يطلب منه عقد النكاح عليها ، إما لغيبته أو صغره أو جنونه ؛ فإن الحاكم يقوم مقامه حينئذ فيه ؛ لأنّه حق وجب إبقاوه ، وقد تعذر فعله منه ، فقام الحاكم فيه مقامه كما يقوم مقامه في الإنفاق عَلَى الأمة من ماله ، وهذا المعنى لا فرق فيه بين أمهات الأولاد وغيرهن للاشتراك في وجوب الإعفاف ، والله تعالى أعلم . ولذلك ذكر القاضي في " خلافه " أن سيد الأمة إذا غاب غيبة منقطعة ، فطلبت منه التزويج في غيبته زوجها الحاكم ، وأن هذا قياس المذهب ، ولم يذكر فيه خلافًا . وكذلك نقله عنه صاحب " المحرر " في تعليقه عَلَى " الهداية " ولم يعترض عليه بشيء .