عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
557
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
ولما كان النفع الحاصل بإرسال الرسل ، وإنزال الكتب أمرًا لا نظير له ، قرر الله تعالى الرسالة عَلَى المنكرين لها بهذه الطريقة ، وهي شدة الحاجة إليها في غير موضع من القرآن كما في قوله : { مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ } ( 1 ) . ولهذا نسب تعالى منكري إرسال الرسل وإنزال الكتب إِلَى القدح في كماله وعظمته وحكمته ، وإلى الجهل به وبأسمائه وصفاته ، وأنهم ما قدروه حق قدره . والمقصود ها هنا أن جميع الرسل كان دينهم الإسلام ، ولهذا ثبت في " الصحيح " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد " ( 2 ) فإنهم كلهم متفقون عَلَى أصول التوحيد وتوابعه ، وإنما تختلف شرائعهم في الأحكام العلمية التي يسميها كثير من الناس الفروع ، وتنوع الشرائع في ذلك كتنوع الشريعة الواحدة التي فيها ناسخ ومنسوخ . كما كانت القبلة في أول الإسلام إِلَى صخرة بيت المقدس ، ثم صارت إِلَى الكعبة . والدين واحد ، ثم ختم الله الشرائع والملل بالشريعة العامة الكاملة ، الحنيفية المحمدية ، المحتوية عَلَى جميع محاسن الشرائع ، المتضمنة لجميع مصالح العباد في المعاش والمعاد ، فأكمل الله بها دينه الذي ارتضاه لنفسه ، وختم بها العِلْم الَّذِي أنزله من السماء عَلَى رسله ، فلذلك تضمنت جميع محاسن الشرائع المتقدمة ، وزادت عليها أمورًا عظيمة وأشياء كثيرة ، من العلوم النافعة والأعمال الصالحة ، التي خص بها هذه الأمة ، وفضلهم بها عَلَى من قبلهم من الأمم . ولذلك أوجب الله عَلَى جميع من بلغته هذه الدعوة من جميع الأمم الانقياد إليها ولم يقبل من أحد منهم دينا سواها .
--> ( 1 ) آل عمران : 179 . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 3443 ) ، ومسلم ( 2365 ) بمعناه من حديث أبي هريرة .