عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

558

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

ولما كانت هذه الشريعة خاتمة الشرائع ، وعليها تقوم الساعة ، ولم يكن بعدها شريعة ولا رسالة أخرى ، تبين ما تبدل منها ، وتجدد ما درس من آثارها ، كما كانت الشرائع المتقدمة تجدد بعضها آثار بعض ، وتبين بعضها ما تبدل من بعض ، تكفل الله بحفظ هذه الشريعة ، ولم يجمع أهلها عَلَى ضلالة ، وجعل منهم طائفة قائمة بالحق لا تزال ظاهرة عَلَى من خالفها حتى تقوم الساعة ، وأقام لها من يحملها ويذب عنها بالسيف واللسان والحجة والبيان ، فلهذا أقام الله تعالى لهذه الأمة من خلفاء الرسل وحَمَلَةِ الحجة في كل زمان من يعتني بحفظ ألفاظ الشريعة وضبطها ، وصيانتها عن الزيادة والنقصان ، ومن يعتني بحفظ معانيها ومدلولات ألفاظها ، وصيانتها عن التحريف والبهتان . والأولون أهل الرواية ، وهؤلاء أهل الدارية والرعاية ، وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثل الطائفتين . كما ثبت في " الصحيحين " ( 1 ) عن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ ، كَمَثَلُ غَيْثٍ أَصَابَ الْأَرْضَ ، فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةً قَبِلَتْ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهِ نَاسًا فَشَرِبُوا وَرَعُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا ، وَأَصَابَتْ طَائِفَةً مِنْهَا أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لا تُمْسِكُ مَاءً وَلا تُنْبِتُ كَلَأً ، فَلِذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقَّهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ اللَّهُ بِمَا بَعَثَنِي بِهِ وَنَفَعَ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ » . فمثَّل النبي - صلى الله عليه وسلم - العِلْم والإيمان الَّذِي جاء به بالغيث يصيب الأرض . وهذا المثل كقوله تعالى : { أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا } ( 2 ) . فمثل تعالى ما أنزله من العلم والإيمان إلى القلوب بالماء الذي أنزله من

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 79 ) ، ومسلم ( 2282 ) ، من حديث أبي موسى الأشعري . ( 2 ) الرعد : 17 .