عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

505

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

أما بعد ، فإني أذكرك بليلةٍ تمخض ( 1 ) بالساعة ، فصباحها القيامة ، يا لها من ليلةٍ ويا له من صباحٍ كان عَلَى الكافرين عسيرًا . وبكى عمرُ ذات ليلة فاشتد بكاؤه ، فلما أصبح قال لغلامه : يا بني ، ليس الخير أن يُسمع لك ويُطاع ، وإنما الخير أن تعقل عن ربك ثم تطيعه ، يا بُني لا تأذن اليوم لأحدٍ عليَّ حتى يرتفع النهار ؛ فإني أخاف أن لا أعقل عن الناس ولا يفهموا عني . فَقَالَ الغلام : بأبي أنت يا أميرَ المؤمنين ، رأيتك الليلة بكيتَ بكاءً ما بكيتَ مثله . قال : فبكى ثم قال : يا بني ، إني والله ذكرتُ الوقوفَ بين يدي الله - عز وجل - قال : ثم غمي عليه فلم يُفق حتى علا النهار . قال : فما رأيتُهُ بعد ذلك مبتسمًا حتى ماتَ - رحمه الله - . وجاء أعرابي يومًا إِلَى عمر بن عبد العزيز ، فَقَالَ : يا أمير المؤمنين ، جاءت بي الحاجَةُ وانتهت الغايةُ ، والله سائلك عني يوم القيامة . قال : ويحك ! أعدْ عليَّ . فأعاد عليه ؛ فنكَّسَ عمر رأسه وأرسل دموعَهُ حتى ابتلَّت الأرض ، ثم رفع رأسه فَقَالَ : ويحك كم عيالك وكم أنتم ؟ قال : أنا وثلاثُ بنات . ففرض له عَلَى ثلاثماثة وفرض لبناتِهِ عَلَى مائة وأعطاه مائة درهم وقال : هذا من مالي وليس من أموال المسلمين ، اذهب فاستنفقها حتى تخرجَ أعطياتُ المسلمين وتأخذَ معهم . وأتاه رجل من أهل أذربيجان فقام بين يديه فَقَالَ : يا أمير المؤمنين ، اذكُر بمقامي هذا بين يديك مقامًا لا يشغل اللهَ - عز وجل - عنه كثرةُ من يتخاصم من الخلائق ، يوم تلقاهُ بلا ثقةٍ من العمل ، ولا براءةٍ من الذنب . فبكى عمر بكاءً شديدًا ثم قال : ويحك ، أردد عليَّ كلامَكَ هذا . فجعل يردِّدُه وعمر يبكي وينتحب ، ثم قال : حاجَتَك ؟ قال : إِن عامل أذربيجان عدا عليَّ وأخذ

--> ( 1 ) يقال : تمخضت الليلة عن يوم سوء إذا كان صباحها صباح سوء . " لسان العرب " مادة : ( مخض ) .