عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
502
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
وكتب بعضُ عمال عمر بن عبد العزير إِلَيْهِ أما بعد ، فإن مدينتنا قد خربَتْ فإن رأى أميرُ المؤمنين أن يقطع لنا مالاً نُعمرها به ، فعل فكتب إِلَيْهِ . أما بعدُ ، فقد فهمتُ كتابك وما ذكرتَ أن مدينتكم قد خربتْ ، فَإِذَا قرأت كتابي هذا فأحصنها بالعدلِ ، ونقِّ طرقها من الظلمِ ، فإنه مرضها والسلام . وكتب إِلَيْهِ بعض عماله أيضاً : إِنَّ ناسًا من العمال قد اقتطعوا من مالِ الله مالاً عظيمًا ، لستُ أقدر عَلَى إخراجه منهم ، إلا أن يمسَّهم شيءٌ من العذاب ؛ فإن رأى أميرُ المؤمنين أن يأذن لي في شيء من ذلك . فكتب إِلَيْهِ عمر : « أَمَّا بَعْدُ فَالْعَجَبُ كُلَّ الْعَجَبِ اسْتِئْذَانُكَ إِيَّايَ فِي عَذَابِ بَشَرِ ، كَأَنِّي لَكَ جُنَّةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ - عزَّ وجلَّ - وَكَأَنَّ رِضَائِي عَنْكُمْ مُنْجِيكُمْ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ ، فانظر من قامْت عليه البينةُ فخذه بما قامت عليه ، ومن أقر لك بشيءٍ فخذهُ بما أقر به ، ومن أنكر فاستحلفْه بالله - تعالى - وخلِّ سبيله ، فوالله لأنّ يلقوا الله بجناياتهم أَحَبّ إلي من أن ألقى الله بدمائِهم . وبلغ عمر بن عبد العزيز أنَّ أحد أولاده اشترى فصًّا بألف درهم ليختم به ، فكتب إِلَيْهِ عمر : عزيمة مني عليك يا بُني لما بعتَ الفَصَّ الَّذِي اشتريت بألف درهم ، وتصدقت بثمنه ، واشتريت فصَّا بدرهم ونقشت عليه : رحم الله امرأ عرف قدر نفسه والسلام . وشكا مزاحم إِلَى عمر حاجةَ أهلِ عمر وقلةَ ما بأيديهم ، فَقَالَ عمر : إِنَّ لي نفسًا توَّاقةً ، لقد رأيتُني وأنا بالمدينة غلامٌ من الغلمان ، ثم تاقت نفسي إلي العِلْم والعربية والشعرِ فأخذت منه حاجتي . ثم تاقت نفسي إِلَى السلطان فاستُعملتُ عَلَى المدينة . ثم تاقت نفسي وأنا في السلطان إِلَى اللبسِ والعيشِ الطيب ، فما علمتُ أن أحدًا من أهل بيتي ولا غيرهم كان فيما كنتُ فيه ، ثم