عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
503
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
تاقت نفسي إِلَى الآخرة والعمل بالعدل ؛ فأنا أرجو أن أنال ما تاقت إِلَيْهِ نفسي من أمرِ آخرتي ، ولستُ بالذي أُهلكُ آخرتي بدُنياي . وكان عمر يقول لجلسائه : من صحبني منكم فليصحبني بخمس خصال : يدلني من العدلِ ما لا أهتدي له ، ويكونُ لي عَلَى الحق عونًا ، ويبلغني حاجة من لا يستطيعُ إبلاغها ، ولا يغتاب عندي أحدًا ، ويؤدي لي الأمانة التي حملها مني ومن الناس ؛ فَإِذَا كان كذلك فأهلاً به وإلا فهو في حَرَجٍ من صُحبتي والدخول عليَّ . وكتب عمر إِلَى عاملِهِ عَلَى فلسطين : أن اركب إِلَى البيت الَّذِي يقال له : المكس ( 1 ) فاهدمه ثُم احمله إِلَى البحر فانسفه في اليم نسفًا . وشكا إِلَى عمر بن عبد العزيز بعضُ عمالِهِ فكتب إِلَيْهِ : اذكر طولَ سهرِ أهل النارِ في النار مع خلودٍ إِلَى الأبد ، وإياكَ أن ينصرفَ بك من عند الله فيكون آخر العهد ، وانقطاع الرجاء . فلما قرأ العامل الكتاب ، طوى البلاد حتى قدم عَلَى عمر ، قال : ما أقدمك ؟ ! قال : خلعت قلبي بكتابك ، والله لا أعود إِلَى ولايةٍ حتى ألقى الله - عز وجل ! وكتب عمر إِلَى بعض مدن الشام كتابًا وكتب فيه : أما بعد ، فكم للترابِ في جسدِ ابن آدم من مأكلٍ ، وكم للدودِ في جوفِهِ من طريق منخرقٍ ، وإني أحذركم أيها الناس ونفسي العرضَ عَلَى الله عز وجل . وكان عمر يجمع الفقهاء كل ليلة ، فيتذاكرون الموت والقيامةَ ، ثم يبكون كأن بين أيديهم جنازةً . وكان عمر يومًا في بيتٍ فبكى ، فبكت زوجته ، فبكى أهل الدارِ لا يدري
--> ( 1 ) المكس : هو الجباية وهي الدارهم التي كانت تؤخذ من بائع السلع في الأسواق . " لسان العرب " ( 6 / 20 ) .