عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

494

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

الباب الثامن في ذكر شدةِ حذرهِ من الظلمِ وتنزهه من ذلك كان عبد الملك - رحمه الله - يكره أن يُدخل نفسه في تأديب أهل الفساد ، خشيةَ أن يتعدّى الحدودَ الشرعية ، وهو غيرُ قاصدٍ لذلك ، أو خشية أن يُنسبَ إِلَى الظلمِ وهو منه بريء . فروى عبد الله بن بطة ابنُ الفقيه الزاهدِ المجاب الدعوةِ ، وهو من أعيان علماء الحنابلة في كتاب " الحمّام " بإسناده عن ميمون بن مهران قال : أتيتُ عبدَ الملك بن عمر بن عبد العزيز ، فاستأذنت عليه ، فقعدت عنده ساعة ، فأُعجبتُ به . فجاء الغلام فَقَالَ : فرغنا مما أمرتنا به . قال : قلتُ : وما ذاك ؟ قال : الحمّام أمرتُهُ أن يُخليهُ لي . قلت : إني كنتُ قد أعجبتُ بك حتى سمعتُ هذه ! قال : وما ذاك يا عماه ؟ قال : أرأيت الحمّام ملكًا لك ؟ قال : لا . قلت : فما الَّذِي يحملُكَ أن تصُدَّ عنه غايته وتعطّله عَلَى أهله ؟ ! قال : إِن أعطَله عليه فأنا أعطيه غلة يومِهِ . قلت : هذه نفقةُ كبرٍ خلطها إسرافٌ ، كأنك تريدُ بذلك الأُبَّهَة ؛ فإنما أنتَ رجلٌ من المسلمين كأحدهم يجزئك أن تكون مثلهم ! فَقَالَ : والذي عظَّم من حقك ، ما يمنعني أن أدخلَ معهم إلا أن أرى قومًا رعاعًا بغير مآزر ! فأكرَهُ أن أؤدبهم عَلَى الإزار ، فيصفُونَ ذلك عَلَى سُلطاننا ، خلَّصنا اللهُ منهم كفافًا . قال : قلتُ : تدخله ليلاً . قال : افعلُ ، ولولا بردُ بلادنا ما دخلتُهُ ليلاً ولا نهارًا . * * *