عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
473
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
والصادق من السامعين قد يكون في قلبه محبة الله ، مع ما ركز في الطباع من الهوى ، فيكون الهوى كامنًا ، لظهور سُلطان الإيمان ، فتحركه الأغاني مع المحبة الصحيحة ، فيقوى الوجد ، ويظن السامع أن ذلك كله محبة الله ، وليس كذلك ، بل هي محبة ممزوجة ممتزجة حقها بباطل ( * ) ، وليس كل ما حرك الكامن في النفوس ، يكون مُباحًا في حكم الله ورسوله . فإن الخمر تحرك الكامن في النفوس ، وهي محرمةٌ في حكم الله ورسوله كما قيل : والرَّاح كالريح إِنَّ هبت عَلَى عطر . . . طابت وتخبث إِن مرت عَلَى الجيف وهذا السماع المحظور يُسكر النفوس ، كما يسكر الخمر أو أشد ، ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة كالخمر والميسر ، فإن فُرض وجُود رجل يسمعه ، وهو ممتلئ قلبُه بمحبة الله ، لا يؤثر فيه شيءٌ من دواعي الهوى بالكلية ، لم يُوجب ذلك له خصوصًا ، ولا للناس عموماً ؛ لأنّ أحكام الشريعة تناط بالأعم الأغلب ، والنادر ينسحب عليه حكم الغالب ، كما لو فُرض رجلٌ تام العقل ، بحيث لو شرب الخمر ، لم يؤثر فيه ولم يقع فيه فسادٌ فإن ذلك لا يوجب إباحة الخمر له ولا لغيره . عَلَى أن وجود هذا المفروض في الخارج في الصورتين : إما نادرٌ جدًّا أو ممتنعٌ متعذر . وإنما يظهر هذا السماع ، عَلَى هذا الوجه ، حيث جرد كثيرٌ من أهل السلوك الكلام في المحبة ولهجوا بها ، وأعرضوا عن الخشية . وقد كان السَّلف الصالح يُحذرون منهم ، ويفسقون من جرد وأعرض عن الخشية إِلَى الزندقة . فإن أكثر ما جاءت به الرسُل وذكر في الكتاب والسنة : هو خشية الله وإجلاله وتعظيمه ، وتعظيم حرماته وشعائره وطاعته .
--> ( * ) بباطلها : " نسخة " .