عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
474
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
والأغاني لا تحرك شيئًا من ذلك ؛ بل تحدث ضده من الرعونة ( 1 ) والانبساط والشطح ، ودعوى الوصول والقرب ، ودعوى الاختصاص بولاية الله التي نسب الله في كتابه دعواها إِلَى اليهود . فأما أهل الإيمان ، فقد وصفهم بأنهم { يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } ( 2 ) وفسر ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنهم يصومون ويتصدقون ، ويصلون ويخشون أن لا يُتقل منهم . وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يخافون النفاق عَلَى نفوسهم ، حتى قال الحسن : ما أمن النفاق إلا منافق ، ولا خشيه إلا مؤمن . ويوجب أيضاً سماع الملاهي النفرة عن سماع القرآن ، كما أشار إِلَيْهِ الشافعي رحمه الله ، وعدم حضور القلب عن سماعه ، وقلة الانتفاع بسماعه ، ويوجب أيضاً قلة التعظيم لحرمات الله ، فلا يكاد المدمن لسماع الملاهي ، يشتد غضبه لمحارم الله تعالى إذا انتهكت ، كما وصف الله تعالى المحبين له بأنهم { أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ } ( 3 ) . ومفاسد الغناء كثيرة جدًّا . وفي الجملة ، فسماع القرآن بنيت الإيمان في القلب كما ينبت الماء البقل ، وسماع الغناء ينبت النفاق ، كما ينبت الماء ( البقل ) ( 4 ) ولا يستويان حتى يستوي الحق والبطلان { وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ } ( 5 ) . والله تعالى المسؤول أن يهدينا وسائر إخواننا المؤمنين إِلَى صراط مستقيم ، صراط الذين أنعم عليهم ، غير المغضوب عليهم ولا الضالين ، آمين . والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله عَلَى سيدنا محمد ، وآله وصحبه أجمعين .
--> ( 1 ) الأرعن : الأهوج الأحمق . " ترتيب القاموس " ( 2 / 358 ) . ( 2 ) المؤمنون : 60 . ( 3 ) المائدة : 54 . ( 4 ) البصل : " نسخة " . ( 5 ) فاطر : 19 - 22 .