عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

472

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

مرفوعًا من رواية عبيد الله بن زَحْر ، عن علي بن يزيد عن القاسم ، عن أبي أمامة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد سبق ذكر هذا الإسناد . والقرآن تُذكر فيه أسماء الله وصفاته وأفعاله ، وقدرته وعظمته ، وكبرياؤه وجلاله ، ووعده ووعيده . والأغاني إِنَّمَا يذكر فيها صفات الخمر والصور المحرمة ، الجميلة ظاهرها ؛ المستقذر باطنها ، التي كانت تُرابًا ، وتعُود ترابًا . فمن نزل صفاتها عَلَى صفات من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير فقد شبَّه ، ومرق من الإسلام كما يمرُق السهمُ من الرمية . وقد رُئي بعض مشايخ القوم في النوم بعد موته ، فسُئل عن حاله فَقَالَ : أوقفني بين يديه ، ووبخني وقال : كنت تسمع وتقيسُني بسُعدى ولُبنى . وقد ذكر هذا المنام أبو طالب المكي في كتاب " قوت القلوب " . وإن ذُكر في شيء من الأغاني التوحيد ، فغالبه من يسوق ظاهره إلي الإلحاد : من الحلول والاتحاد ، وإن ذُكر شيء من الإيمان والمحبة أو توابع ذلك ، فإنما يعبر عنه بأسماء قبيحة ، كالخمر وأوعيته ومواطنه وآثاره ، ويذكر فيه الوصل والهجر ، والصدود والتجنِّي ، فيطرب بذلك السامعون ، وكأنهم يشيرون إِلَى أن الله تعالى يفعل مع عباده المحبين له المتقربين إِلَيْهِ كما يذكرونه ، فيبعد ممن يتقرب إِلَيْهِ ، ويصد عمن يحبه ويطيعه ويعرض عمن يُقبل عليه . وهذا جهل عظيم ، فإن الله تعالى يقول عَلَى لسان رسُوله الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - : « مَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا ، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا ، وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً » ( 1 ) . وغاية ما تحرك هذه الأغاني ما سكن في النفوس من المحبة ، فتتحرك القلوب إِلَى محبوباتها - كائنة ما كانت - من مباح ومحرم ، وحق وباطل .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 7405 ) ، ومسلم ( 2675 ) .