عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
90
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
وأما العُلوُّ الأوَّلُ والحرصُ عليهِ فهو محمودٌ . قال الله تعالى : { وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ } ( 1 ) . وقال الحسن : إِذَا رَأَيتَ الرَّجلَ يُنافسكَ في الدُّنْيَا فنافِسْهُ في الآخرةِ . وقال وُهَيبُ بنُ الوَرْدِ : إِن استطعتَ أَن لَا يسبقَكَ إِلَى الله أَحدٌ فافعلْ . وقالَ محمدُ بنُ يوسف الأصبهاني العابدُ : لو أَنَّ رجلاً سَمِعَ برجلٍ أو عَرفَ رجلًا أطوعَ للَّه منهُ فَانصدعَ قلبُهُ لم يكن ذلكَ بِعجبٍ . وقال رجلٌ لمالكِ بن دينارٍ : رأيتُ في المنام مناديًا يُنادي : أيها الناسُ ، الرحيل ، الرحيلَ ، فَما رأيتُ أحدًا ارتحل إلا محمدُ بنُ واسعٍ ، فصاحَ مَالكٌ وغُشِيَ عليهِ . ففي دَرجاتِ الآخرةِ الباقيةِ يَشرُعُ التنافسُ وطلبُ العُلوِّ في مَنازِلها ، والحرصُ عَلَى ذلك بالسعىِ في أسبابِهِ ، وأن لا يقنع الإنسانُ منها بالدُّونِ مَع قُدرتهِ عَلى العُلوّ . وأما العلوُّ الفاني المنُقطعُ الَّذِي يعقب صاحبَهُ غذا حَسرةً وندامةً وذِلَّةً وهَوانًا وصغارًا ، فهو الَّذِي يشرعُ الزهدُ فيه والإِعراضُ عنهُ . وللزهدِ فيه أسبابٌ عديدةٌ : فمنها : نظرُ العبدِ إِلَى سُوءِ عاقبةِ الشَّرفِ في الدُّنْيَا بالولايةِ والإمارةِ لمن لا يُؤدِّي حقَّها في الآخرةِ ، ومنها : نظر العبد إِلَى عُقوبةِ الظَّالمينَ والمكذبين ، ومن يُنازعُ اللَّه رِدَاء الكبرياءِ . وفي " السُّنن " عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : « يُحْشَرُ المُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ ، يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ ، يُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُقَالُ لَهُ : بُولَسَ ، تَعْلُوهُمْ نَارُ الأَنْيَارِ ، يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ : طِينَةَ الخَبَالِ » .
--> ( 1 ) المطففين : 26 .