عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
82
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
وقال بعضُ السلفِ : بَلغنا أَنَّ الَّذِي يطلبُ الأحاديثَ ليحدِّثَ بها لا يجدُ ريحَ الجنةِ ، يعني : من ليسَ له غرضٌ في طلبهَا إلاَّ ليحدث بها دُون العملِ بها . ومن هذا القَبيلِ كراهةُ السَّلفِ الصَّالحِ الجُرْأَة عَلَى الفُتيا والحرصَ عليها ( والمنازعة ) ( * ) إليها والإكثارَ منها . وروى ابنُ لهيعةَ عن [ عُبيد اللَّه ] ( 1 ) بن أبي جعفر مرسلاً ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " أجْرَؤُكُم عَلَى الْفُتْيَا أَجرَؤُكُمْ عَلَى النَّارِ " ( 2 ) . وقال علقمة : كانوا يَقُولُونَ : أَجرؤُكُم عَلَى الفتيا أَقلُّكُم علمًا . وعن البراءِ قال : " أَدركتُ مائة وعشرين من الأنصارِ من أصحابِ رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يُسأَلُ أحدُهُم عن المسأَلةِ مَا منهُم من أحد إِلَّا وَدَّ أن أخاهُ كَفاهُ " . وفي روايةٍ : " فيرُدُّها هذا إِلَى هذا ، وهذا إِلَى هذا حتى ترجع إِلَى الأوَّلِ " . وعن ابنِ مَسعودٍ رضي اللَّه عنه قال : " إِن الَّذِي يُفتي الناسَ في كُل ما يَسْتَفْتُونَهُ لمجنون " . وسُئِلِ عمرُ بنُ عبد العزيزِ عن مسألةٍ ، فَقَالَ : ما أَنا عَلى الفُتيا بِجَريءٍ . وكتبَ إِلَى بعضِ عُمَّالِهِ : إِني واللَّه مَا أَنا بِحَريصٍ عَلَى الفُتيا ، ما وَجدتُ منها بُدًّا . وليسَ هذا الأمرُ لمن ودَّ أَنَّ الناسَ احتاجُوا إليهِ ، إِنما هذا الأمرُ لمن ودَّ أَنَّهُ وَجدَ من يَكفيهِ . وعنهُ أنّه قال : أَعلمُ الناسِ بالفتوى أَسكَتُهُم ، وأجهلُهُم بها أَنطقُهُم .
--> ( 1 ) في " الأصل " : عبد الله . وهو خطأ ، والصواب " عبيد الله " انظر " تهذيب الكمال " ( 15 / 488 ) . ( 2 ) أخرجه الدارمي ( 157 ) . ( * ) والمسارعة : " نسخة " .