عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

83

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

وقال سفيانُ الثوريُّ رحمة اللَّه عليه : أَدركنا الفُقهاءَ وهُم يَكرهونَ أن يُجيبوا في المسائل والفُتيا حتى لا يَجِدوا بُدًّا من أن يُفتُوا ، وإذا أُعفُوا منهَا كانَ أَحبَّ إليهِم . وقال الإمامُ أحمدُ رضي الله عنه : مَن عرّضَ نفسَهُ لِلفُتيا فقد عَرّضَها لِأَمْرِ عَطيم ، إِلاَّ أنَهُ قد تُلجئُ الضرورةُ . قِيلَ لَهُ : فَأَيَّمَا أفضلُ ؟ الكلامُ أَمِ السُّكوتُ ؟ قال : الإمساكُ أَحَبُّ إِلَيّ . قِيلَ لَهُ : فإِذَا كَانتِ الضرورةُ ؟ فجعلَ يقولُ : الضرورةُ الضرورةُ ! وقالَ : الإمساكُ أَسلمُ لَهُ . وليعلمِ المفتي أنهُ يوقعُ عن اللَّه أَمرهُ ونهيهُ ، وأنهُ موقوفٌ ومسئُولٌ عن ذلك . قال الربيعُ بنُ خُثيمٍ : أيها المفتون ! انظُروا كيفَ تُفتون . وقال عمرُو بنُ دينارٍ لقتادةَ لما جلس للفُتْيَا : تدري في أي عمل وقعت ، وقعت بين الله وبين عباده وقلتَ : هذا يَصلحُ ، وهَذا لا يَصلحُ . وعن ابن المنُكدرِ قال : إِنَّ العالمَ داخل بينَ اللَّه وبينَ خلقهِ ، فلينظُرْ كيفَ يدخلُ عليهم . وكان ابنُ سيرينَ إذا سُئلَ عن الشيءِ من الحلالِ والحرامِ تغيرَ لونُهُ وتبدَّلَ ، حتى كأنَّه ليسَ بالذي كانَ . وكانَ النَّخعيُّ يُسأَلُ فتظهرُ عليهِ الكراهةُ ويقولُ : ما وجدتَ أحدًا تسأل غيري ؟ ! وقالَ : قَد تكلَّمتُ ولو وجدتُ بُدَّا مَا تكلمتُ ، وإنَّ زمانًا أكونُ فيه فقيهَ الكُوفةِ لزمانُ سُوءٍ . ورُوِيَ عن عمر قال : إِنّكم لتستفتوننا استفتاءَ قومٍ كأَنَّا لا نسألُ عمَّا نُفتيكم به . وعن محمدِ بن واسعٍ قال : أَولُ من يُدعى إِلَى الحسابِ الفُقهاءُ .