عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
17
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
وفي " صحيح مسلم " ( 1 ) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنّه كان يقول : " إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ " . وهذا يدل على أن العلم الذي لا يوجب الخشوع للقلب فهو علم غير نافع . وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - : " أنّهُ كَانَ يَسْأَلُ اللهَ عِلْمًا نَافِعًا " ( 2 ) . وفي حديث آخر قال : « سَلُوا اللَّهَ عِلْمًا نَافِعًا ، وَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ » ( 3 ) . وأما العلم الذي على اللسان فهو حجة الله على ابن آدم . كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " والقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيكَ " ( 4 ) . فإذا ذهب من الناس العلم الباطن بقي الظاهر على الألسنة حجة ، ثم يذهب هذا العلم الذي هو حجة بذهاب حملته ، ولا يبقى من الدين إلا اسمه فيبقى القرآن في المصاحف ثم يسري به في آخر الزمان فلا يبقى منه في المصاحف ولا في القلوب شيء . ومن هنا قَسَّمَ من قَسَّمَ من العُلَمَاءِ العلم إِلى باطن وظاهر ، فالباطن : ما باشر القلوب فأثمر لها الخشية والخشوع ، والتعظيم والإجلال ، والمحبة والأنس والشوق . والظاهر : ما كان على اللسان ، فبه تقوم حجة الله على عباده . وكتب وهب بن منبه إلى مكحول : " إِنَّكَ امْرُؤٌ قَدْ أَصَبْتَ بِمَا ظَهَرَ لَكَ مِنْ عِلْمِ الْإِسْلَامِ شَرَفًا فَاطْلُبْ بِمَا بَطَنَ مِنْ عِلْمِ الْإِسْلَامِ مَحَبَّةً وَزُلْفَى " .
--> ( 1 ) برقم ( 2722 ) من حديث ابن مسعود . ( 2 ) أخرجه أحمد ( 6 / 294 ، 305 ، 318 ، 322 ) ، والنسائي في " الكبرى " ( 9930 / 2 ) ، وابن ماجة ( 925 ) من حديث أم سلمة . ( 3 ) أخرجه النسائي في " الكبرى " ( 7867 / 1 - 2 ) ، وابن ماجة ( 3843 ) . ( 4 ) أخرجه مسلم ( 223 ) .