عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
18
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
وفي رواية أخرى أنّه كتب إليه : " إِنّك قذ بلغْت بِظَاهِرِ عِلْمِكَ عِنْدَ النّاسِ منْزِلةً وشَرَفًا ، فَاطْلُبْ بِباطِنِ عِلْمِك عِنْد اللهِ مَنْزِلةً وزُلْفَى ، واعْلمْ أن إِحْدى الْمنْزِلتيْنِ تَمْنعُ الْأُخْرى " . فأشار وهب بعلم الظاهر إلى علم الفتاوى والأحكام ، والحلال والحرام ، والقصص والوعظ وهو ما يظهر على اللسان . وهذا العلم يوجب لصاحبه محبة الناس له ، وتقدمه عندهم ، فحذره من الوقوف عند ذلك ، والركون إليه والالتفات إلى تعظيم الناس ومحبتهم ؛ فإن من وقف مع ذلك فقد انقطع عن الله وانحجب بنظره إلى الخلق عن الحق . وأشار بعلم الباطن إلى العلم الذي يباشر القلوب ، فيحدث لها الخشية والإجلال والتعظيم ، وأمره أن يطلب بهذا المحبة من الله والقرب منه والزلفى لديه . وكان كثير من السلف كسفيان الثوري وغيره يقسمون العلماء ثلائة أقسام : عَالِمٌ بِاللهِ وَعَالِم بِأمْرِ اللهِ . ويشيرون بذلك إلى من جمع بين هذين العلمين المشار إليهما الظاهر والباطن ، وهؤلاء أشرف العلماء ، وهم الممدوحون في قوله تعالى : { إِنّما يخْشى الله مِنْ عِبادِهِ الْعُلماءُ } ( 1 ) . وقوله : { إِنّ الّذِين أُوتُوا الْعِلْم مِنْ قبْلِهِ إِذا يُتْلى عليْهِمْ يخِرُّون لِلْأذْقانِ سُجّدًا } إلى قوله : { ويزِيدُهُمْ خُشُوعًا } ( 2 ) . وقال كثير من السلف : لَيْسَ الْعِلْمُ كَثْرَةَ الرِّوايةِ ولَكِنّ الْعِلْمَ الْخَشْيةُ . وقال بعضهم : كفى بِخشْيةِ اللهِ عِلْمًا ، وكفى بِالاغْتِرارِ بِاللهِ جهْلًا . ويقولون أيضًا : عَالِمٌ بِاللهِ لَيْسَ بِعالمٍ بِأمْرِ اللهِ .
--> ( 1 ) فاطر : 28 . ( 2 ) الإسراء : 107 - 109 .