عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

120

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ } ( 1 ) ولا ينقصُ ذلك حظَّهم من لذات أرواحهم ؛ فإنَّه تتوافر لذات قلوبهم ، وتتزايد عَلَى ما كانت للمؤمنين في الدُّنْيَا ، مما لا نسبة لما كان في الدنيا إِلَيْهِ . فإنَّ الخبر في الدُّنْيَا يصير هناك عيانًا ، فأعلى نعيمُهم هناك رؤية اللَّه عز وجلَّ ومشاهدته ، وقُربه ورضاه ، ويحصل لهم بذلك نهايةُ المعرفة به والأُنس ، وتتزايد هنالك لذةُ ذكره عَلَى ما كانت في الدُّنْيَا ؛ فإنهم يُلهمون التسبيح كما يلهمون النفسَ ، وتصير كلمةُ التوحيد لهم كالماء البارد لأهل الدُّنْيَا . فعُلم بهذا أنَّ العيش الطب عَلَى الحقيقة لا يحصل في الدُّنْيَا ، إِنَّمَا يكون بعد الموت . فإن من يُوفر حظَّه من نعيم روحه وقلبه في الدُّنْيَا يتوفَّر في الآخرة أيضًا ، ومن توفَّر حظُّه من نعيم جسده في دنياه وسرَّ بها نقص في الدُّنْيَا ونقص به أيضًا حظه من نعيم الآخرة . ومع هذا فهو نعيمٌ منغَّص لا يدوم ولا يبقى ، وكثيرًا ما يُنغَّص بالأمراض والأسقام ، وربما انقطع وتبدَّل صاحبه بالفقر والذل بعد الغنى والعز . وإنْ سلم من ذلك كلِّه فإنه ينغصه الموتُ ، فَإِذَا جاء الموت فما كان مَن تنعم بالدنيا ولذاتها كأنّه ما ذاق شيئًا من لذاتها ، خصوصًا إنْ انتقل بعد الموت إِلَى عذاب الآخرة ؛ كما قال تعالى : { أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ } إِلَى قوله : { مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ } ( 2 ) . وكان الرشيدُ قد بنى قصرًا ، فلما فرغ منه ونجزه وفرشه استدعى فيه بطعامٍ وشراب وملاهي ، واستدعى أبا العتاهية ، فَقَالَ له : صِف لي ما نحن فيه من العيش . فأنشأ يقول : عِش ما بدا لك سالماً . . . في ظل شاهقة القُصور يُسعى عليك بما اشتهيت . . . لدى الرَّواح وفي البكور فذا النفوس تقعقعت ( 3 ) . . . في ضيق حشرجة الصدور فهناك تعلم موقنًا . . . ما كنت إلاَّ في غُرور

--> ( 1 ) ق : 35 . ( 2 ) الشعراء : 205 - 207 . ( 3 ) تقعقعت : اضطربت وتحركت . " القاموس المحيط " مادة : ( قعقع ) .