عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

119

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

فالصالحونُ كلهم قللوا من عيش الأجساد ، وكثَّروا من عيش الأرواح ، لكن منهم من قلَّل من عيش بدنه ليستوفيه في الآخرة ، وهذا تاجرٌ . ومنهم من فعل ذلك خوفًا من الحساب عليه في الآخرة . والمحققون فعلوا ذلك تفريغًا للنفس عمَّا يشغل عن الله ، لتتفرَّغ القلوبُ للعكوف عَلَى طاعته وخدمته ، وذكره وشكره ، والأنس والشوق إِلَى لقائه . فإنَّ الأخذ من عيش الأجساد أكثر من قدر الحاجة يُلهي عن الله ، ويشغل عن خدمته . قال بعضُهم : كلُّ ما شغلك عن الله فهو عليك شؤم ، فلا كان ما يُلهي عن الله ؛ إنه يَضر ويُردي ، إنَّه لشؤم . فما تفرَّغ أحدٌ لطلب عيش الأجساد ، وأعطى نفسَه حظَّها من لك إلاَّ ونقص حظُّه من عيش الأرواح ، وربما مات قلبُه من غفلته عن الله وإعراضه عنه ، وقد ذمَّ الله من كان كذلك فَقَالَ تعالى : { فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا } الآية ( 1 ) . ثُم إِنَّ ما حصَّلوه من شهواتهم ينقطع ويزول بالموت ، وينقص بذلك حظُّهم عند الله في الآخرة . فإن كان ما حصلوه من شهواتهم من حرام فذلك هو الخسرانُ المُبين ؛ فإنَّه يُوجب العقوبة الشديدة في الآخرة . فلمَّا لم يجتمع في الدُّنْيَا للعبد بلوغُ حظّه من عيش رُوحه وبلوغ ( نهايته ) ( * ) من عيش جسده ، جعل الله للمؤمنين دارًا جمع لهم فيها ما بين هذين الحظَّين عَلَى نهاية ما يكون من الكمال ، وهي الجنة . فإنَّ فيها جميعَ لذات الأجساد وعيشها ونعيمها ؛ كما قال الله تعالى : { وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ } ( 2 ) وقال : لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا

--> ( 1 ) مريم : 59 . ( * ) نهاية حظه : " نسخة " . ( 2 ) الزخرف : 71 .