عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
115
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
هذا يزول بزيادة هذه اللذات الحسية ، وبعضُم يظن أنه يزول بإزالة العقل بالسُّكر . وكلُّ هذا يزيد الألم والوحشة . وإنما سببُه أنَّ الروح فقدت قوتها وغذاءها ، فمرضت وتألَّمت . إذا كُنت قوت النفوس ثم هجرتها . . . فلن تصبر النفس التي أنت قوُتُها ستبقى بقاء الضبِّ في الماء أو كما . . . يعيش ببيداء المفاوز حوتُها قال بعضُ العارفين لقوم : ما تعدُّون العيش فيكم . قالوا : الطعام والشراب ، ونحو ذلك . فَقَالَ : إنَّما العيش أن لا لقى منك جارحة إلاَّ وهي تجاذبك إِلَى طاعة اللَّه وعزَّ وجلَّ . مَن عاش مع اللَّه طاب عيشه ، ومن عاش مع نفسه وهواه طال طيشه . قال الحسن : إنَّ أحباء الله هم الذين ورثوا أطيب الحياة بما وصلوا إِلَيْهِ من مناجاة حبيبهم ، وبما وجدوا من لذَّة حبّه في قلوبهم . وأكل إبراهيمُ بن أدهم مع أصحابه كِسرًا يابسة ، ثم قام إِلَى نهرٍ فشرب منه بكفه ، ثم حمد اللَّه ، تم قال : لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم والسرور لجالدونا عليه بالسيوف أيام الحب ، عَلَى ما نحن فيه من لذيذ العيش وقلة التعب . فَقَالَ بعضُ أصحابه : يا أبا إسحاق ، طلب القومُ الراحة والنعيم فأخطئوا ( الصراط ) ( * ) المستقيم . فتبسم ثم قال : من أين لك هذا . أهل المحبة قومٌ شأنهم عجب . . . سرورهم أبدٌ وعيشهم طرب العيش عيشهم والملك ملكهم . . . ما الناس إلا هم بانُوا أو اقتربوا قيل لبعض العارفين - وقد اعتزل عن الخلق - : إذا هجرتَ الخلقَ مع من تعيش ؟ قال : مع من هجرتهم لأجله .
--> ( * ) الطريق : " نسخة " .