عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

116

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

ويُروى عن المسيح عليه السلام ، أنَّه قال : يا معشر الحواريين ، كلِّموا الله كثيرًا ، وكلموا الناس قليلًا . قالوا : كيف نكلم اللَّه كثيرًا ؟ ! قال : اخلوا بذكره ، اخلوا ( بذكر نعمائه ) ( * ) اخلوا بمناجاته . ما أطيبَ عيشَ مَن يخلو بحبيب . . . يَلْتَذُّ بِهِ من غير مُحَاشاةِ رقيب أعيا مرضي بكم كلّ طبيب . . . من أمَّل فضلَ مثلِكم كيفَ يَخِيب واعلم أنَّ الجمع بين هذين العيشين في دار الدُّنْيَا غيرُ ممكن ، فمن اشتغل يعيش روحه وقلبه وحصل له منه نصيب وافر لها عن عيش جسده وبدنه ، ولم يقدر أنْ يأخذ منه نهاية شهوته ، ولم يقدر أنْ يتوسَّع في نيل الشهوات الحسية ، وإنما يأخذ منها بقدر ما تقوم به حاجة البدن خاصة ، فينتقص بذلك عيشُ الجسد ، ولا بد . وهذه كانت طريقةُ الأنبياء والمرسلين وأتباعهم ، وكان اللَّه يختار أنْ يقلل نصيبهم من عيش أجسادهم ، ( ويوفر ) ( * * ) نصيبهم مِن عيش قلوبهم وأرواحهم . قال سهل التستُري : ما آتى الله عبدًا مِن قُربه ومعرفته نصيبًا إلاَّ حرمه من الدُّنْيَا بقدر ما أعطاه من معرفته وقربه ، ولا آتاه من الدُّنْيَا نصيبًا إلَّا حرمه ( من ) ( . . . ) معرفته وقُربه بقدر ما آتاه من الدُّنْيَا . وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقتصد في عيشه غاية الاقتصاد ، مع ما فتح اللَّهُ عليه من الدُّنْيَا والملُك ، ومات ولم يشبع من خُبز الشعير ، وكان يقول : « مَا لِي وَلِلدُّنْيَا إنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلِ الدُّنْيَا كَرَاكِبٍ قَالَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا » ( 1 ) . وقال - صلى الله عليه وسلم - : « حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ » ( 2 ) .

--> ( * ) بدعائه : " نسخة " . ( * * ) ويوف : " نسخة " . ( . . . ) منه : " نسخة " . ( 1 ) تقدم تخريجه . ( 2 ) أخرجه أحمد ( 3 / 128 ، 199 ، 285 ) ، والنسائي ( 7 / 61 ) من حديث أنس .