عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

112

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

واستدل من جوَّز الدعاء بالموت وتمنّيه بقوله تعالى : { قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } ( 1 ) ، ثم ذمَّهم عَلَى عدم تمنيه بسبب سيئاتهم ، وعلى حرصهم عَلَى طول الحياة في الدُّنْيَا . وكذلك قوله تعالى : { قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ } الآية ( 2 ) . وفي " المسند " ( 3 ) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " لاَ يتمنينَّ أحدٌ الموت إِلاَّ من وثق بعمله " . فمن كان له عملٌ صالح فإنَّه يتمنَّى القدومَ عليه ، وكذلك مَنْ غلب عليه الشوقُ إِلى لقاء اللَّه عزَّ وجلَّ . وأمَّا من تمنى الموت خوف فتنة في الدين ، فإنَّه يجوز بغير خلاف . وقد بسطنا الكلام عَلَى هذه المسائل في غير هذا الموضع . قولُه - صلى الله عليه وسلم - : « اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ وَبَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَلَذَّةَ النَّظَرِ فِي وَجْهِكَ ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ ، مِنْ غَيْرِ ضَرَّاءٍ مُضِرَّةٍ ، وَلا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ » . هذه الثلاث خصال قد رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أئه كان يدعو بها في غير هذا الحديث أيضًا من حديث عمَّار بن ياسر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ( 4 ) وقد شرحنا حديثَه بتمامه في موضع آخر . فأمَّا الرضا بالقضاء : فهو من علامات المُخبتين ( 5 ) الصادقين في المحبة ، فمتى امتلأت القلوب بمحبة مولاها رضيت بكلِّ ما يقضيه عليها من مؤلمٍ ومُلائم . سيان إنْ لاموا وإنْ عَذلوا . . . ما لي عن الأحباب مصطبرُ لابد لي منهم وإنْ تركوا . . . قلبي بنار الهجر يستعرُ وعلي أنْ أرضى بما حكموا . . . وأطيع في كل ما أمروا

--> ( 1 ) البقرة : 94 . ( 2 ) الجمعة : 6 ، 7 . ( 3 ) أخرجه أحمد ( 2 / 350 ) . ( 4 ) أخرجه أحمد ( 4 / 264 ) ، والنسائي في " الصغرى " ( 1305 ) ، وفي " الكبرى " ( 1228 ) . ( 5 ) المتواضعين أو الخاشعين أو المطمئنين .