عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
100
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
وأصلُه : من ( لب ) ( 1 ) بالمكان : إذا لزمه وأقام فيه ؛ فكأنَّ الملبِّي يُجيب دعوة الله ويلزم ذلك . ويقتضي أيضاً : سُرعة الإجابة مع الدوام عليها . وقوله : " وسعديك " يعني : إسعادًا بعد إسعاد . والمعنى : طاعة بعد طاعة . وأصلُه : أنَّ المُنادي إذا دعا غيره ، فإنَّ المجيب لدعائه يجيبُه إسعادًا له ومساعدة . ثم نُقل ذلك إِلَى مُطلق الطاعة ، حتى استُعمل في إجابة دعاء الله عزَّ وجل ؛ وحُكي عن العرب : سُبحانه وسعدانه ، عَلَى معنى أسبحه وأطيعه ؛ تسمية للإسعاد بسعدان ، كما يسمى التسبيح سبحان ، ولم يُسمع بسعديك مفردًا . ولا شك أنَّ اللَّه تعالى يدعو عباده إِلَى طاعته ، وإلى ما فيه رضاه ، وما يوجب لهم به سعادة الآخرة ، فمن أجاب دعاءه واستجاب له فقد أفلح وأنجح ؛ قال تعالى : { وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } ( 2 ) ، وقال تعالى : { قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } ( 3 ) وقال حكاية عن الجن الذين يستمعون القرآن : { يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } ( 4 ) . ولهذا يقولُ المُلبي في الحج : لبيك اللهم لبيك . يعني : إجابة لدُعائك وطاعة لك ، حيثُ دعوتنا إِلَى حج بيتك . وكان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يقوله في دُعاء الاستفتاح في الصلاة - وقد قيل : إنَّه كان يقولُه في قيام الليل ، وقد قيل : إنه كان يقوله في استفتاح المكتوبة - : " لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ ،
--> ( 1 ) لبب : " نسخة " . ( 2 ) يونس : 25 . ( 3 ) إبراهيم : 10 . ( 4 ) الأحقاف : 31 .