عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن الرازي المقرئ

48

فضائل القرآن وتلاوته

أرأف بعباده من ذَلِكَ ، فليت من استظهر القرآن بنفسه ، ولم يكن أميا بل كتبه بخطه وتدبره مدة حياته ، وسمعه مدى عمره عَلَى الترداد من غيره ، وقف عَلَى ما كلف منه ، لأن جميعه لا يحيط بِهِ أحد علما غير الله سبحانه ، ثُمَّ إن الأمي إذا خوطب بما لا طائل من الكلام ، واشتبه كثيره لفظا وحكما ولا هُوَ ممن يكتب فيقيده بخطه ولا هُوَ يحفظه ، فالخطاب مَعَه أضيع ، وما كَانَ الله أنزله ليضيع ، بل دعاهم ليعلم ما فِيهِ ويعمل بِهِ ، وإن لم يكلف حفظ جميعه عَلَى الأعيان ، فشتان بين من حفظه بنفسه ، وجمعه فِي صدره ، وتدبره من قلبه ، وتلاه فِي كل أوان أزاده ، وعلى أي حال أحبه فِي النور والظلمة والهواء والماء ، وبين من عميت بصيرته كَمَا لا يتمكن من قراءته ولا التفكر فِيهِ ، ولا التدبر المأمور بِهِ إلا فِي الرجوع إلى غيره فِيهِ ، وانقطعت عَلَيْهِ سبل الاتباع والاتعاظ والتفكر والتدبر عِنْدَ عدمه ، فإن قِيلَ : إن القرآن وإن خوطب بِهِ العرب ونزل بلسانهم ، فقد لزم حكم الثقلين كافة عربا وعجما ، فهل لزم العجم من حفظه عَلَى أي وجه كان من الوجوب ، أو الندب ، أو الاستحباب عَلَى الأعيان ، أو الكفاية كَمَا لزم العرب . فالجواب : نعم ، وذَلِكَ لأنهم محمولون عَلَى حكمهم لقوله تَعَالَى : { وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا } [ الرعد : 37 . . . ] الآية ، وكذلك من فارق من العرب حكم الأميين لتعلمه الكتابة والاستنباط ، ومن سكن منهم