حسن بن محمد بن حبيب النيسابوري
79
عقلاء المجانين
طلبه فقالوا : هو في المقبرة ، فدخلت المقبرة فلما رآني هرب ، فدخل مسجداً ورد الباب ، فدخلت عليه فإذا هو في صلاة . فلما فرغ أقبل على مناجاته فقال : إليك توجه الطالبون وأرادوك ، وإياك قصد المحبون واشتاقوك فآثروك . فدنوت منه وقلت : أحب أن تجيبني . فقال : نعم فجئت إلى منزلي به وقلت ما تشتهي ؟ فقال : ما اشتهيت منذ أربعين سنة إلا المولى . قلت : الا اتخذ لك عصيدة جيدة ؟ قال هذا إليك . فاتخذت له عصيدة بالسكر ووضعت بين يديه . فقال : لا أُريد مثل هذا ولكني أُريد على الصفة التي أصفها لك ، قلت صفها لي . قال : خذ تمر الطاعات ، واخرج منه نوى العجب ، وخذ دقيق العبودية ، وزعفران الرضا ، وسمن النية ، واجعل ذلك في طنجير التواضع ، وصب عليه ماء الصفا ، وأوقد تحتها نار الشوق ، بحطب التوفيق ، وحركه باصطام الحمد ، واجعله على طبق الشكر ، وضعه بين يدي . فمن أكل منه ثلاث لقمات كان شفاءً لصدره ، وشفاءً لذنوبه ، ثم قام ونفض ذيله وأنشأ يقول : أفلح الزاهدونا والعابدونا . . . إذ لمولاهم أجاعوا البطونا أقرحوا الأعين الغزيرة شوقاً . . . فمضى ليلهم وهم ساجدونا حيرتهم مخافة الله حتى . . . زعم الناس إن فيهم جنونا أبو الديك قال عبد الله بن محمد الفقيه : أرسل إلي عمران بن إسحاق بن الصباح فأتيته ، وإذا أبو الديك عنده ، وكان حسن البديهة ، جيد الجواب . فإذا هو يحلب ويشير إلى الحائط . كأنه تكلم شيئاً ، وكان لا يعتريه إلا عند الجوع ، فقال عمران : علي بالمائدة . ثم قال : هلم وقال : هذه التي قال الله تعالى في كتابه حكاية عن نبيه عليه السلام " ربنا أنزل علينا مائدة من السماء " قال لي : يا عبد الله ! هذه فطن العقلاء ، وأذهان الحكماء . ثم أقبل على عمران وقال : أيها الأمير ! ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً . فأنا مسكين يتيم أسير في حبس شيطان قد وكل بي ، أعاذني الله منه . ثم أقبل على الطعام فإذا فتى ينشد شعراً : إن الصنيعة لا تكون صنيعةً . . . حتى يصاب بها طريق المصنع